نجم الجزائر المهاجر لفرنسا.. كيف أصبح رشيد طه كل الألوان والفصول؟

كانت حفلة "شموس 1.2.3" تتويجا لصعود رشيد إلى القمة بعد عدد من ألبوماته الناجحة (غيتي إيميجز)
كانت حفلة "شموس 1.2.3" تتويجا لصعود رشيد إلى القمة بعد عدد من ألبوماته الناجحة (غيتي إيميجز)

عبد الله فرج

كانت ثورة التحرير الشعبية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي في أوجها حين ولد رشيد طه في 18 سبتمبر/كانون الأول 1958 في ولاية معسكر شرق الجزائر، وبعد نجاح الثورة بست سنوات هاجرت أسرته إلى مدينة ليون الفرنسية عام 1968، كان عمره حينها عشر سنوات. 

طفل جزائري مهاجر للجنوب الفرنسي كان من الجيل الأول من المهاجرين الجزائريين إلى فرنسا. في أثناء مراهقته عمل في بعض المصانع والمطاعم حتى استطاع مع مجموعة من أصدقائه تشكيل فرقة موسيقية باسم "بطاقة إقامة" (Carte de sejour) عام 1980 حين كان عمره 22 عاما، لتغني وتقدم موسيقى الروك في النوادي الليلية الصغيرة.

كانت الفرقة تقدم مزيجا من ألوان الروك والراي وأغنيات أم كلثوم  وموسيقى الفانك، وهو ما سيعتاد رشيد تقديمه وتجريبه خلال سنوات نشاطه التي تقارب الثلاثين عاما.

استطاع رشيد مع الفرقة إصدار أول ألبوم تجريبي في العام التالي على تأسيسها، هذا الألبوم الذي سيقدمه الشاب المندفع رشيد طه حين يقتحم حفل فرقته المفضلة "ذا كلاش" في باريس، أثناء جولتها الصغيرة في أوروبا.

سيلقى رشيد تجاهل فرقته المفضلة ولن يسمع هو أو أي من أفراد فرقته المبتدئة ردا من نجومه المفضلين في فرقة "ذا كلاش"، لكن بعد عدة شهور سيعرف كيف ألهمهم شريطه التجريبي لإنتاج أغنيتهم "القصبة روك" (Rock the Casbah), سيظل رشيد يكرر أن "روك القصبة" التي غناها فريق "ذا كلاش" كانت نتيجة استماعهم لأعماله، وسيعيد غناءها وتقديمها مجددا عام 2004.

يا الرايح وين مسافر
هذه البدايات الضاغطة كمهاجر أفريقي يتلمس طريقه في الجنوب الفرنسي، يحاول تقديم لونه الموسيقي المغاير في أوساط الموسيقى الأوروبية، ويواجه عنصرية بيضاء مثله مثل كثيرين من القادمين من قارته؛ ساعدت في تشكيل توجهات رشيد طه وآرائه في الموسيقى والسياسة والمجتمع، والتي ستظهر في ألبوماته اللاحقة.

هكذا سارت رحلة رشيد بين المسارح والنوادي الليلية بين لندن وباريس، يمزج بين الراي وألوان موسيقية أخرى من الموسيقى الشرقية والصحراوية والروك والإلكترونية، في ألبوماته السبعة الأولى مع فرقته الصغيرة "بطاقة إقامة" حتى نهاية الثمانينيات.

ولا يدوم صغرك وصغـري
في التسعينيات، استكمل رشيد طه اللعب مع ألوان "المزيكا"، لكن بشكل منفرد بعيد عن أصدقائه من الفرقة القديمة. في رحلته الأميركية، مزج الإيقاعات العربية (الدربكّة) مع موسيقى الروك في ألبوم "باربس" (Barbes) الذي  حقق مبيعات مخيبة للآمال.

طرح بعده ألبومين بمزيج بين الشرق والغرب أيضا، وبدأ تحقيق نتائج مرجوة حتى كانت الذروة مع أسطوانة "بطاقة بيضاء" (Carte Blanche)، وتحديدا أغنية "يا الرايح" للجزائري دحمان الحراشي التي أعاد تقديمها بتوزيع روك مع موسيقى الكناوة الجزائرية، وباستخدام أدوات وإيقاعات مثل الدربكّة والطنبور.

نجحت الأغنية عربيا وأوروبيا، فلا يدوم صغر رشيد ولا صغر صيته، وتصبح من الأغاني الرئيسة في موجة "الراي" في نهاية التسعينيات. في هذا الألبوم ظهرت بوادر رؤى رشيد التقدمية ورفضه للمنظومة التقليدية العربية، وهي "زبيدة" التي تحكي قصة استوحاها من فتاة جزائرية تعرف إليها في بداية مشواره.

قصة تقليدية لفتاة عربية تزوجت تحت وطأة ضغوط الأب، وتعطلت حياتها تحت سلطتين ذكوريتين، لكن الكلمات الصاخبة جاءت مصحوبة بلحن أولي وتوزيع تقليدي. سيعيد رشيد تقديم نفس الكلمات لكن في آخر ألبوماته "زووم" عام 2013، وبدلا من زبيدة ستحمل الفتاة اسم "جميلة". 

شموس 1.2.3
منذ عام 1993، تعاون رشيد مع الموزع الموسيقي ستيف هيلاج الذي أشرف على التعاون المشترك مع الشاب خالد والشاب فضيل في حفلة "شموس 1.2.3" (1.2.3 Soliels) التي كانت تتويجا لصعود رشيد إلى القمة، بعد ألبوماته السابقة -"أوليه أوليه" و"ديوان" و"صنع في المدينة" (Ole Ole، Diwan، Made in Medina)- التي ساعد هيلاج في إنتاجها موسيقيا.

يمكن اعتبار هيلاج هو الشخص الأكثر تأثيرا في مشروع رشيد، والذي فتّح وعيه على إيقاعات أكثر تنوعا بكل الألوان وكل الفصول، من أفريقيا شرقا وغربا، وحتى الهند والمكسيك.

قلبي وقلبك مفتوح
مثلما كان رشيد منفتحا على التجارب والإيقاعات الموسيقية المتنوعة شرقا وغربا، كان قلبه مفتوحا لطرح القضايا والاشتباك معها.

فمنذ بداياته اختار رشيد فتح قلبه والتعبير عن أفكاره بالكلمات التي يكتب غالبيتها، كما بألوان الموسيقى التي يحاول المزج بينها، ومثلما طرح قضية المرأة في مجتمع تقليدي مثل مجتمع الجزائر بأغنيته "زبيدة 1997"، طرح قضايا مثل غياب الديمقراطية في "روك القصبة" و"حاسبوهم"، والرجعية التي لقيها في مجتمعه الأول الجزائر، والعنصرية الأوروبية التي لاقاها في مجتمعه الأوروبي الجديد.

أنا كل الألوان أنا كل الفصول
في آخر ألبوماته "زووم"، يواصل رشيد ممارسة لعبه المفضل، إذ يتلاعب بين الألوان الموسيقية المختلفة شرقا وغربا، يستحضر صوت أم كلثوم من مصر، إلى جانب موسيقى الروك الإنجليزية، أو صوت الشيخة فضيلة من موسيقى الراي الجزائرية إلى جانب الفانك الأميركي.

كما أنه يعيد طرح كافة القضايا المهمة له، إذ أعاد إنتاج "زبيدة" لتصبح "جميلة"، مستعيرا صوت الشابة فضيلة "خلوني أعيش حياتي"، ويطرح التساؤلات القديمة لكن بخفة شيخ شاهد ما يكفيه من العالم، كل صباح يطرح السؤال: كيف يسير العالم؟ هل أنا عربي؟ هل أنا أوروبي؟ هل أنا قبيح؟، ويجيب أنه كل الألوان وكل الفصول.

المصدر : الجزيرة