الفن المفاهيمي.. عندما يصبح الجمال طريقة للمعارضة السياسية

مارسيل دوشامب يعد أول من قدّم عملا فنيا مفاهيميا بعنوان "النافورة" (مواقع التواصل)
مارسيل دوشامب يعد أول من قدّم عملا فنيا مفاهيميا بعنوان "النافورة" (مواقع التواصل)

سارة عابدين

من أهم ما يميز الفن المعاصر أنه لا يولي اهتماما للموضوع كما كان قديما، ولا للشكل كما جرى أخيرا، لكن الفنان المعاصر يريد أن يشعر بأنه صنع شيئا لا وجود له من قبل، ليس مجرد محاكاة للواقع، مهما كانت المحاكاة بارعة، ولا زخرفة مهما كانت الزخرفة ماهرة، بل شيئا أكثر ديمومة، وأكثر واقعية حتى من الواقع ذاته.

إذا أردنا أن نفهم ما يدور داخل الفنان أكثر، علينا أن نعود إلى أفكار الطفولة، عندما يضفي الطفل مفهوما جديدا ووجودا جديدا على الأشياء الواقعية، ويتعامل معها من خلال هذا المفهوم، وبانفصال تام عن مفهومها الواقعي المتداول.

ما الفن المفاهيمي؟
شكلت المفاهيمية طريقة للاعتراض على الفن بمعناه وأدواته التقليدية، ودفع حدود الفن إلى آفاق جديدة، خاصة مع محاولات الفنانين المفاهيميين، لجعله طريقا للمعارضة السياسية، ووسيلة تعبير حرة، دون إطار مرجعي واحد، سواء كان ثقافيا أو جماليا أو عقائديا.

ويشمل الفن المفاهيمي الفنون الأدائية وفنون التركيب وفنون الفيديو، والتعبير بالجسد، وكأن المبدأ الذي يوحد هذه الفنون والأفكار هو رفض الطرق التقليدية للحكم على الأعمال الفنية، ومعارضة تسليع الفن، لذلك يمكن أن يكون الفن المفاهيمي أي شيء تقريبا، هذا لأنه عكس الرسم والنحت الذي يفكر فيهما الفنان بأفضل طريقة للتعبير عن فكرته باستخدام مواد وتقنيات الرسم أو النحت.

يستخدم الفنان المفاهيمي أي خامة أو أي مادة ملائمة لتوصيل فكرته، وقد يصاحب العمل المفاهيمي وصفا مكتوبا لشرح وتوصيل جوهر العمل للمشاهد، لأن الفن المفاهيمي لا يمكن حصره تحت نمط ثابت أو معروف، فكل عمل هو استكشاف جديد ومفاجأة جديدة، ولغز جديد بين الفنان والمتلقي.

مارسيل دوشامب
يعتبر مارسيل دوشامب أول من قدّم عملا فنيا مفاهيميا، وكان بعنوان "النافورة" وهو عبارة عن مبولة خزفية جاهزة ذيلها بتوقيعه ليس أكثر. تخلى دوشامب في عمله عن الجمال والندرة والمهارة باعتبارها أساسيات لصنع العمل الفني، وظهرت لأول مرة عام 1917، وغالبا فقدت هذه النافورة، ثم نفذ دوشامب نسخة جديدة منها عام 1964.

وتعتبر النافورة مثالا لفكرة الفن المفاهيمي الذي يصل لأقصى درجات التناقض والتأويل، بصفته جسما عاديا يحوله الفنان لعمل فني فقط عن طريق إضفاء فكرة مفاهيمية عليه، ليتم تفسيره وتأويله بأكثر من طريقة.

ذكر دوشامب لاحقا أن فكرة النافورة جاءت من مناقشة مع أصدقائه (والتر أرنسبرغ)، و(جوزيف ستيلا) في نيويورك، قام بعدها بشراء مبولة من متجر للأدوات الصحية، ووقعها باسم مستعار هو (r.mutt)، وقدمه إلى جمعية الفنانين المستقلين التي ساعد دوشامب نفسه في تأسيسها، على طراز صالون باريس المستقل بعدما انتقل من باريس إلى نيويورك عام 1915.

بالرغم من أن قانون الجمعية المستقلة ينص على قبول كل الأعمال الفنية التي يلتزم فيها الفنان بدفع رسوم الاشتراك، فإنهم استبعدوا العمل الخاص بدوشامب (غير الموقع باسمه) باعتباره قطعة من الأدوات الصحية، الخاصة بالنفايات الجسدية، ولا يمكن اعتبارها عملا فنيا، مع ملاحظة من اللجنة بعدم لياقة عرض العمل أمام النساء.

استقال دوشامب من الجمعية احتجاجا على فرض الرقابة على عمل الفنان، وأصدرت الجمعية لاحقا بيانا تدافع فيه عن وجهة نظرها، في كون النافورة ليست عملا فنيا، وخارجة عن تعريف الفن، وليست أكثر من وعاء للنفايات البشرية.

وطرح كل من البيان والعمل الخاص بدوشامب تساؤلات عدة مهمة من بينها، ما العمل الفني وماهيته؟ من يقرر ماهية العمل الفني، الفنان، أم الناقد أم تلقي الجمهور؟ هل يمكن أن ينبع العمل الفني من فكرة فقط، دون يد فنية تصنعه؟

وأصدر الفنان بياتريس وود بيانا يدافع فيه عن العمل قائلا، "لا يهم ما إذا كان السيد موت (الاسم الموقع على اللوحة) صنع النافورة بيده أم لا؟ لقد انتقاها، وحول شيئا عاديا من الحياة إلى عمل فني، عن طريق خلق فكرة جديدة، تنفي الصورة الأولى للنافورة".

وكان من أهم توابع ذلك الحدث بشكل عام أن أصبحت معارض الفن المعاصر تقام دون هيئة تحكيم وتحولت نيويورك إلى مركز ديناميكي فني يفوق باريس.

تجريد الفن من الفن (Dematerialization)
يقول سول لويت أحد أبرز منظري الفن المفاهيمي، "الأفكار وحدها يمكن أن تكون أعمالا فنية، فهي سلسلة من التطور قد تجد في النهاية شكلا ما، ولا يجب أن تتحول كل الأفكار إلى الشكل المادي، بعضها قد يبقى فكرة فنية لامعة فقط".

واصل الفن المفاهيمي اندفاعه نحو تجريد المحتوى الفني عن طريق إزالة الحاجة إلى الأشياء تماما، أو استخدام أشياء يومية زائلة، لذلك لا يمكن التعرف على كثير من الأعمال المفاهيمية إلا من خلال الوثائق والصور الفوتوغرافية أو النصوص المكتوبة، حتى أن بعض نقاد الفن يختزلون الأعمال الفنية المفاهيمية في مجموعة من التعليمات المكتوبة أو الإشارات النصية التي تصف العمل، لكن رد الفنانين المفاهميين كان دائما أن الفكرة أكثر أهمية وخلودا وتأثيرا، وهي ما يقوم عليه جوهر الفن المفاهيمي من الأساس.

المصدر : الجزيرة