من الشهرة إلى التشرد.. فنان تونسي أعاده موت السبسي إلى الواجهة

فنان تشكيلي غامض أثار الجدل بعد ظهوره باكيا في جنازة السبسي (الجزيرة)
فنان تشكيلي غامض أثار الجدل بعد ظهوره باكيا في جنازة السبسي (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

متكئا على عصاه، يحاول الفنان التشكيلي التونسي عبد الحميد عمار (68 عاما) افتراش الرصيف وترتيب مستلزمات الرسم وبعضا من لوحاته التي يعرضها للبيع.. هيئة الرجل المشرد وهندامه البالي الرث لا يوحيان بأن صاحبهما عضو شرفي دائم في الأكاديمية العالمية للفنون بإيطاليا.

مسيرة فنية وأدبية كانت إلى حد يوم دفن الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي طي النسيان، ولكن الصورة التي تداولتها مواقع التواصل عن هذا الرجل وهو يلقي تحية الوداع على موكب الجنازة، أعادته إلى الأضواء وسط تساؤلات حول وضعيته الاجتماعية الحالية القاسية.

يمضي هذا الفنان يومه في الشارع، تعرفه جل أرصفة العاصمة لغرابة المشهد الذي يجسده في ثقافة عربية تجعل فن الرسم والإبداع حكرا على فئة معينة في المجتمع، ولكن هذه النظرة المجتمعية لم تجعله نكرة في أروقة الفنون وفضاءات الرسم التونسية والصحف العالمية والمحلية التي تداولت نشاطاته الفنية وتتويجاته في الماضي القريب.

 مرسم الفنان عبارة عن طاولة وسط أكوام من الأكياس (الجزيرة)

ضجة موكب الجنازة
على أثر الضجة التي أحدثها ظهور الفنان عبد الحميد عمار في موكب جنازة الرئيس الراحل السبسي، قام وزير الشؤون الثقافية التونسية باستقباله وتكريمه مع التزام بمساعدته على عدة مستويات، أبرزها دعمه للعودة إلى معارض الفنون التشكيلية وإلى النشاط الثقافي في تونس.

صورة "عفوية" لفنان غائب عن المشهد الثقافي للبلاد يودع رئيسا راحلا استغلها هذا الشيخ السبعيني إعلاميا وأدارها اتصاليا بنفسه بطريقة تنم عن ذكاء شديد وإلمام بأدق تفاصيل المشهد الثقافي في تونس، تجعل تحديد دوافعه وأهدافه المستقبلية أمرا في غاية الصعوبة، فربما يبحث عن تكريم يخلد ذكراه ومشواره الفني، الشيء الذي دفعه إلى الالتزام أمام وزير الثقافة بأن يهب للوزارة بيته مقابل إنشاء "متحف فنون عبد الحميد عمار" خاص به، حسب تصريحه.

الفنان عبد الحميد عمار في جنازة الرئيس الراحل السبسي (مواقع التواصل)

نظرة خاصة
يقول الفنان عمار للجزيرة نت إن حبه وشغفه بالفنون التشكيلية جعله يعدل في فترة شبابه عن فكرة الزواج وتكوين أسرة لكي يبقى متحررا من كل ارتباط يمكنه أن يقيد حركته وتنقلاته في بلدان العالم، أو حتى يقطع عليه خلواته الفنية التي تدوم لساعات طويلة وأحيانا لأيام بأكملها.

تفرغه للفنون التشكيلية جعله يتجاوز الحدود الجغرافية التونسية ليكون سجلا حافلا جعله يحوز -حسب تصريحه- العشرات من العضويات الشرفية في أكاديميات فنية عالمية، على غرار الجمعية العالميّة للفنون التشكيلية لدى اليونسكو وأكاديمية لوتس الفرنسية وسان ماركو الإيطالية.

وعاينت الجزيرة نت عشرات الشهادات والوثائق والمقالات التي تثبت المسيرة الفنية لهذا الرجل والتي تسلمها من مؤسسات وهيئات فنية عالمية.

 عبد الحميد يحمل بعضا من رسوماته على شكل ملصقات للبيع (الجزيرة)

 

ويضيف أنه استطاع التحرر من كل الضوابط والقوالب الاجتماعية السائدة التي تتعلق بالهندام والسكن والأكل والأسرة فهو يعيش للفن وبالفن لا غير، يمكنه أن يصبر على الجوع والعراء وعوامل الطقس شرط أن لا يتوقف عن الرسم الذي بدونه "يعجز عن التنفس"، حسب قوله.

لا يخجل عمار من هندامه بل يعتبره مرآة تعكس ما يعتمل في صدر الفنان من وجع ووعي بقضايا الأمة سعى -ولا يزال- لتجسيده في العديد من أعماله الفنية، ناهيك أنه برهان على حياته الكادحة وكسبه لرزقه بعرق جبينه عن طريق رسم بورتريهات للمارة وبيع لوحاته على الأرصفة.

يتذكر العديد من الحالات التي تعود إلى فترة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أين كان يمنع من دخول المعارض الفنية بسبب هندامه وهيئته بينما تُعرض لوحاته في الداخل.. مفارقات لا يستغربها من الدكتاتوريات التي لا تحترم الحريات عكس ما لمسه من انفتاح وتقبل للاختلاف لدى الغرب.

إحدى لوحاته الملقاة في أحد أركان البيت (الجزيرة)

عالم متناقض
يقيم الفنان عبد الحميد عمار في أحد الأحياء الراقية للمدينة العتيقة بتونس في منزل يملكه شُيّد عام 1934 وتحيط به مؤسسات ثقافية تونسية تعنى بالفنون والتراث.. واجهة المنزل لا توحي بما يخفيه العالم الغريب الذي يعيش فيه بمفرده منذ عقود، والذي يجهله حتى الأهالي والجيران.

أكداس من الأكياس والعلب الكرتونية تجعل المرور بينها أمرا بالغ الصعوبة وأحيانا مستحيلا.. غبار خانق وتهوية شبه منعدمة.. لا يكاد يخلو ركن في المنزل من لوحة أو من إطار للوحة.. رسوم مبعثرة في كل ركن.. انعدام كلي للإنارة والكهرباء، ومرسم يتوسط هذا الكم من الفوضى.

يقول عمار للجزيرة نت إن ترتيب البيت شيء لا يعنيه "تنظيف وترتيب البيت مضيعة لوقت أفضّل تخصيصه للرسم وكتابة الشعر"، يضيف بنبرة جادة أنه ما إن يفرغ من إملاءات "ملك الشعر" حتى يتسلمه "ملك الرسم"، محاولا إضفاء نوع من الغموض على محل إقامته الغريب.

من المفارقات كون هذا الشيخ يحفظ مواضع الوثائق وألبومات صوره وشهادات مشاركاته العالمية في هذا الكم الهائل من الفوضى والعتمة المطبقة على كل ركن من أركان البيت، بل استطاع أيضا تنظيم مجلد لمقالات تحدثت عن أعماله ومشاركاته محليا وعالميا.

المصدر : الجزيرة