سر "بيلا تشاو".. لماذا استمر نجاح "لاكازا دي بابل" في موسمه الثالث؟

المسلسل الإسباني "لاكازا دي بابل" (مواقع التواصل)
المسلسل الإسباني "لاكازا دي بابل" (مواقع التواصل)

حسام فهمي

تعود أصداء الأغنية الثورية الإيطالية الشهيرة "بيلا تشاو" إلى الأجواء مرة أخرى مع عرض الموسم الثالث من المسلسل الإسباني "لاكازا دي بابل" (La Casa De Papel)، وهو المسلسل الذي نجح في تحقيق رهان شبكة نتفليكس على قدرتها على صنع مسلسل غير أميركي بشهرة عالمية. 

لكن السؤال هنا سيكون عن سبب كل هذا النجاح وكل هذه الشهرة، الأمر يتخطى كوننا أمام محبين لمسلسل تلفزيوني وحسب، فعشاق "لاكازا دي بابل" يعتبرون شخصيات المسلسل أصدقاء شخصيين بالنسبة لهم، يفرحون لفرحهم ويشاطرونهم أحزانهم، وفي القلب من كل هذا شخصية "البروفيسور" الذي يعتبره عشاق المسلسل بمثابة الأب الروحي لهم جميعا. 

قد يرى البعض أننا أمام مجموعة من اللصوص، لكن البروفيسور سيجيب بأن اللصوص الحقيقيين هم الحكومات، فكيف يتخطى إذن محتوى هذا المسلسل الإطار الفني ليصبح بكل هذا التأثير سياسيا واجتماعيا، ولا نبالغ إن قلنا وفكريا أيضا؟

شخصيات حقيقية
العنصر الأهم والأفضل فنيا في "لاكازا دي بابل" سيكون بلا شك الكتابة ورسم الشخصيات، هنا ينجح الكاتب والمخرج الإسباني أليكس بينا في إشراكنا كمشاهدين في تاريخ وتفاصيل حياة أبطاله، هكذا نشعر أكثر بتفهم دوافعهم، ونصبح متورطين بشكل أصدق في محبتهم. 

يظهر هذا بشكل واضح للغاية في شخصية "نيروبي"، المرأة التي قد تبدو عنيفة وقاسية في بعض الأحيان، لكننا حينما نعرف أكثر عن تاريخها وعن فقدانها طفلها نتيجة تورطها في إدمان المخدرات والاتجار بها، ندرك أن الفقر هو ما يدفعها لذلك. يلعب صناع المسلسل على هذه التفصيلة بشكل خاص في نهاية الجزء الثالث.

يتكرر الأمر بشكل آخر مع "البروفيسور"، الرجل الذي يحاول تحقيق حلم والده ومعلمه، والعبقري الذي يخطط لكل كبيرة وصغيرة، والرجل الذي لا يريد إراقة نقطة دماء واحدة في سبيل هدفه. 

تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع ارتباط المشاهدين بالأبطال، تماما كحركاتهم الأيقونية التي تتكرر طوال مواسم المسلسل، "البروفيسور" وكلماته الرصينة، "برلين" وشغفه ومخاطرته، "طوكيو" وجنونها، "ريو" وبراءته، و"نيروبي" والكثير من السباب.

الأفكار مضادة للرصاص
في قلب هذا العمل الفني يضخ المخرج أليكس بينا أفكارا لا بد أن تؤخذ على محمل الجد، تلك الأفكار هي ما تخلق شعبية شخصيات المسلسل وفي مقدمتهم "البروفيسور". نحن أمام مجموعة تسوق لنفسها بأنها الوريث الشرعي لروبن هود، اللص الذي ابتدع طريقته الخاصة في تحقيق العدالة الإجتماعية، وهي ببساطة إعادة توزيع رأس المال من خلال سرقة الأغنياء وإعطاء الفقراء. 

الأمر ليس بهذه البساطة، ففي الموسم الثاني يقنع "البروفيسور" أحد مفوضي الشرطة بالعمل معه من خلال إقناعه بأنهم في الحقيقة ممثلو الخير في المعادلة، إذ كل ما يفعلونه هو طبع مجموعة من الأوراق النقدية لتغيير حياة مجموعة من البشر إلى الأفضل.. أمر تفعله الحكومات بكل بساطة حينما تمر بأي مصيبة، ويسمونه إعادة ضخ أموال في الاقتصاد المحلي، لكنهم في حقيقة الأمر يطبعون المزيد من الأموال لسرقة المزيد من الأموال. 

تستمر أفكار "البروفيسور" في التراكم خلال أحداث المسلسل حتى تصنع في النهاية صورة مكتملة للثورة.

الثورة كلمة السر
ربما لا يعرف الكثيرون من محبي المسلسل تاريخ أغنية "بيلا تشاو" التي اختارها صناع المسلسل لتصبح نشيده الأشهر، تلك الأغنية يرجع تاريخها إلى المزارعين المطحونين في ريف إيطاليا، ثم اشتهرت عقب ذلك مع المقاومة الإيطالية ضد الفاشية في عهد موسوليني، ثم ضد الاحتلال النازي الألماني لإيطاليا. 

الأغنية التي يمكننا ترجمة عنوانها إلى "وداعا يا جميلة" تحمل في طياتها رغبة في الحياة بشكل أفضل، وزهدا فيها إن كانت ذليلة ودون حقوق، ويتبلور ذلك بشكل مكتمل في نهايتها التي تحمل كلمات "أعطي هذه الوردة لرفيقي الذي مات من أجل الحرية". 

لا يمكننا بالطبع أن نسلم بأن اختيار هذه الأغنية جاء عشوائيا، فقد أدرك صناع المسلسل المزاج العام للجيل الحالي من الشباب، هناك غضب عارم في كل مكان، وبشكل أساسي ضد مجموعة من الحكومات الرأسمالية التي تسرق شعوبها دون تردد ودون توقف أيضا.

هكذا يمكننا تفهم هذه الشعبية الجارفة لهذا المسلسل، فنحن أمام صوت ثوري يخاطب جمهوره بشكل مباشر، وفي الجزء الثالث يختتم "البروفيسور" هذا الفصل من الحكاية بإعلان الحرب على الحكومة، ليستمر النجاح.

المصدر : الجزيرة