عـاجـل: ترامب: لا أعتقد أننا بحاجة للسحب من المخزون الاحتياطي الإستراتيجي للنفط بعد هجمات أرامكو

تارانتينو يستعين ببراد بيت ودي كابريو لتغيير التاريخ

دي كابريو (يمين) وبراد بيت في أحدث أفلام المخرج الأميركي تارانتينو (مواقع التواصل)
دي كابريو (يمين) وبراد بيت في أحدث أفلام المخرج الأميركي تارانتينو (مواقع التواصل)

حسام فهمي

يعتقد الكثيرون أن وظيفة السينما هي محاكاة الواقع، وأن غاية العمل السينمائي هي أن يخلق عالما ينجح في إيهام الجماهير بكونه حقيقيا، في المقابل يعتنق المخرج الأميركي كوينتين تارانتينو مرجعية مغايرة، إذ يبدو وكأنه مهتم بشكل خاص بالتلاعب بالواقع وخلق نسخ موازية له. 

فعلها تارانتينو من قبل في فيلم "أوغاد مجهولون" (Inglourious Basterds) حينما قدم في الفصل الأول من الفيلم معالجة تبدو حقيقية للغاية لزمن اجتياح النازية لأوروبا، ثم تلاعب بكل الأحداث الواقعية في نهاية الفيلم حينما قتل أدولف هتلر بشكل عنيف للغاية على يد فرقة يهودية مسلحة. 

الآن يكرر تارانتينو هوايته في التلاعب بالتاريخ، هذه المرة في معالجته لحادثة مقتل الممثلة الأميركية شارون تيت في فيلمه الجديد "حدث ذات مرة في هوليود" (Once Upon a time in Hollywood)، وتورط في الحادثة عصابة تعمل بتوجيه السفاح الأميركي الشهير تشارلز مانسون.

ماذا يحدث في فيلم تارانتينو الجديد إذن؟ وما هو السبب في الاستعانة بليوناردو ديكابريو وبراد بيت؟ وكيف يتغير بوجودهما التاريخ؟

ثلاث حكايات وفيلم واحد
اختار تارانتينو منذ فيلمه الأول "كلاب المستودع" (Reservoir Dogs) في عام 1992 أن يقسم فيلمه إلى فصول، ليتميز بعد ذلك بأسلوب فريد من نوعه في طريقة السرد، حيث إن الفصول في أفلام تارانتينو غير مرتبة زمنيا، ولكنها رغم عشوائيتها تصنع في النهاية صورة مكتملة للحكاية. 

في هذا الفيلم يغير تارانتينو هذه الطريقة للمرة الأولى، حيث نشاهد الفيلم بشكل متصل دون أي فصول، لكنه على الرغم من ذلك يحافظ على سرد أكثر من حكاية في الفيلم نفسه.

هنا نتابع وبشكل متواز ثلاث حكايات. الأولى هي حكاية الممثلة الأميركية شارون تيت التي تؤدي دورها مارغوت روبي، التي نتجول معها في هوليود، حيث تحلم هذه الممثلة الصاعدة بأن تكون يوما ما نجمة جماهيرية، خاصة بعد زواجها من المخرج الشهير رومان بولانسكي.

والثانية هي حكاية الممثل الأميركي ريك دالتون الذي يقوم بدوره ليوناردو يكابريو، وهو ممثل يمر بمرحلة نهاية النجومية، فبعد أن كان بطلا للعديد من الأفلام الكبيرة، أصبح يعاني الآن فقط من أجل الحصول على أدوار مساعدة.

أما الحكاية الثالثة فهي حكاية كليف بوث الذي يؤدي دوره براد بيت، وهو مؤد للمشاهد الخطرة وصديق مقرب من ريك دالتون.

تدور أحداث الفيلم في نهاية عام 1969 في هوليود، وهنا يجتمع الواقع مع الخيال، فشارلون تيت حقيقية، لكنّ ريك دالتون وكليف بوث شخصيتان من خيال تارانتينو.

يعتمد تارانتينو بشكل كبير على مشاهد تجمع دالتون وبوث، نعرفهما سويا أولاً ثم نتتبع الحكاية الشخصية لكل واحد منهما من خلال مشاهد "فلاش باك"، نلقى من خلالها نظرة خاطفة على تاريخ كل منهما. أما شارون تيت فيعتمد تارنتينو على تصويرها في كادرات (إطارات) بعيدة في غالبية أحداث الفيلم، نبدو نحن المشاهدين وكأننا نتجسس عليها، وكأننا في حالة ترقب مستمر لما سوف يحدث لها.

 

السخرية من التاريخ
تارانتينو يكمل في هذا الفيلم ما بدأه من قبل في السخرية المتعمدة من التاريخ، هنا لا يحدث هذا فقط في نهاية الفيلم، أو في الظروف المحيطة بحادثة شارون تيت، والتي لن نرويها حرصا على عدم إفساد مفاجأة الفيلم على من لم يشاهده بعد، ولكن السخرية تمتد أيضا لعدد من الشخصيات الحقيقية التي نراها بعيون تارانتينو.

قد يكون أبرز هذه الشخصيات وأكثرها إثارة للجدل هو بروس لي، معلم الفنون القتالية صاحب الأصول الصينية والجنسية الأميركية، والذي أظهره تارانتينو خلال أحداث الفيلم في صورة كوميدية للغاية، كما لو كان ممثلا مدعيا يمكن لأي شخص حقيقي ضربه وتحطيمه بسهولة. استفز الأمر العديد من المعاصرين لبروس لي لدرجة أن لاعب كرة السلة الأميركي التاريخي كريم عبد الجبار قد كتب مقالا كاملا موجها لتارانتينو يعاتبه فيه على إظهاره بروس لي بهذا الشكل، بل يلمح فيه باتهام تارانتينو بالسطحية والنمطية والعنصرية أيضا. 

يبدو تحليل محتوى تارانتينو بشكل جدي ومباشر أمرا صعبا للغاية، خصوصا في هذه الحالة، إذ إن تارانتينو قد صنع من قبل ثلاثية "اقتل بيل" (Kill Bill) التي استوحى جزءا كبيرا من تفاصيل وأزياء أبطالها من بروس لي وأفلامه. يبدو، إذن، أن التلاعب ليس غايته الإهانة، ولكن الغاية ستظل السخرية، دون أي خطوط حمر. 

العنف المضحك
في أحد أهم مشاهد الفيلم، نرى الأبطال وهم يتفننون في قتل خصومهم بالأسلحة البيضاء حينا، وبتوجيه حيوانات مفترسة لالتهامهم أحيانا، وبإشعال النار فيهم وهم أحياء في أحيان أخرى، يبدو الوصف قاسيا ودمويا للغاية إلا أن ردة فعل المشاهدين على هذا المشهد في غالبية صالات السينما كان وابلاً من الضحك، هنا يرسم تارانتينو مشاهده العنيفة من خلال إضافة العديد من التفاصيل الغريبة والمفاجئة والغبية أحيانا، مما يدفع الجمهور للضحك رغم أن المشهد يضج بالعنف. 

يتسق هذا بالطبع مع نهج تارانتينو ما بعد الحداثي المعتاد، حيث يسخر الرجل من القيم الكلاسيكية في الحياة والسينما، لا خطوط حمرا للسخرية كما ذكرنا من قبل، ولا خطوط حمرا للعنف أيضا.

المصدر : الجزيرة