بين الأسطورة والواقع.. تشريح ليلة النجوم لفان غوخ

لا تتعلق مكانة اللوحة في تاريخ الفن فقط بنوع مدرسها بل الكفاءة التي رسمت بها (مواقع التواصل)
لا تتعلق مكانة اللوحة في تاريخ الفن فقط بنوع مدرسها بل الكفاءة التي رسمت بها (مواقع التواصل)

هند مسعد

عادة ما تعتبر ليلة فان غوخ المرصعة بالنجوم -والتي تم رسمها في سان ريمي دي بروفانس في فرنسا، في يونيو/حزيران 1889، قبل شروق الشمس مباشرة- واحدة من أبرز لوحات الليل في تاريخ الفنون التشكيلية، إن لم تكن الأبرز على الإطلاق، وغالبا ستظل كذلك، لأسباب عديدة. ولفهم تلك الأسباب علينا تتبع الخط الزمني للوحة والقيام بعملية تشريح لتاريخها الفني ومحتوياتها وحياة رسامها.

حسنا، إن السماء المرصعة بالنجوم، على سبيل المثال، هي شيء أود حقيقة رسمه، ولكن أنى لي ذلك ما لم أرسم في المنزل ومن الخيال!
غوخ

تتبع هذه اللوحة المدرسة ما بعد الانطباعية، وهي حركة فنية سيطرت على صدارة المشهد الفني العالمي أواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين، وقد تم تطوير ما بعد الانطباعية نفسها من حركة سابقة معروفة، وهي الانطباعية والتي ركزت أساسا على تصوير الضوء والظل في اللوحات باستخدام ضربات فرشاة صغيرة ورقيقة ومرئية.

وقد واصل ما بعد الانطباعيين استخدام الألوان الزاهية التي تصور سمات الحياة اليومية مع تطبيق احترافي لأثر الظل والنور على سطح اللوحة، إلا أن ما بعد الانطباعيين كان لديهم ميل للتركيز على القضايا النفسية والوجودية، وهذا بالتحديد ما يفرق الانطباعية عن ما بعدها.

تشريح ليلة النجوم
إن مكانة اللوحة البارزة في تاريخ الفن لا تتعلق فقط بنوع المدرسة الفنية التي تتبعها، بل بالكفاءة التي رسمت بها أيضا، فاللوحة تنقسم إلى مستويين بصريين، على الأرض يمكننا أولا رؤية شجرة السرو في مقدمة اللوحة ومن خلفها قرية صغيرة تدب فيها الحياة إلى حد ما.

وعلى الرغم من أن الشجرة كبيرة في قاعدتها، فإنه كلما نمت نحو السماء أصبحت أكثر خيطية، وتلوح في الأفق خلف المنازل بعض الأشجار وتلة ضخمة.

أنا لا أعرف أي شيء على وجه اليقين، لكن رؤية النجوم تجعلني أحلم

في الجزء العلوي، السماء الزرقاء مع الهلال الأصفر و11 نجمة صفراء ملتهبة، وتلك النجوم بالتحديد أحد الأسباب التي جعلت للوحة شهرة عالمية، فنجوم غوخ قابضة على إحساس الحركة ويشع وميضها الأصفر بشكل واضح. وهي في الوقت عينها، رغم وميضها المضطرب تنساب بيسر وسهولة مع باقي مكونات الطبيعة باللوحة.

فقد نجح غوخ في نقل انطباعه الخاص عن الانسجام بين مكونات الطبيعة، بغض النظر عن مدى اختلاف هذه المكونات في الشكل أو اللون أو النوع، حتى أن تأثير الألوان المتناقضة (الأزرق والأصفر) يمنح المشاهد فرصة رؤية كل جزء من هذا المشهد بشكل منفصل، ولكن في إطار المشهد الكلي في النهاية.

الحالم المنبوذ
كان غوخ في بواكير حياته يعمل مبشرا، وقال البعض إن حياته تأثرت بقصة النبي يوسف. وعاش ذلك الرسام العالمي منبوذا من عائلته، وقد حاول جاهدا الحصول على احترامهم وتقديرهم لكن باءت محاولاته بالفشل حتى انتهى للجنون.

ورغم أنه مات فقيرا وغير معروف على الإطلاق، فإن ليلة النجوم الآن واحدة من أشهر اللوحات في التاريخ والأكثر تقليدا وطباعة. وقد صار غوخ نفسه مصدر إلهام العديدين. فالشخصية التي كانت تعاني الحزن واليأس أنتجت هذا القدر الهائل من الفن والجمال، رغم أن هذا الرسام قضى نصف عمره في المصحات العقلية.

المصدر : الجزيرة