هل يقتل المنع فرق المهرجانات بمصر؟

تنتمي معظم فرق المهرجانات للمناطق الشعبية بمدن مصرية (الجزيرة)
تنتمي معظم فرق المهرجانات للمناطق الشعبية بمدن مصرية (الجزيرة)

 عبد الله حامد-القاهرة

بين الحين والآخر تطفو على الساحة الفنية المصرية أزمة ما يعرف بأغاني المهرجانات التي يراها مؤيدوها نوعا من الفن الشعبي، في حين يراها آخرون إسفافا وانحدارا بالذوق العام.

أحدث تلك الأزمات إثر قرار نقابة الموسيقيين عدم التعامل مع كل فرق المهرجانات، وكل من لا يحمل بطاقة عضوية نقابة الموسيقيين، وحدد بيان للنقابة أسماء فرق حمو بيكا، مجدي شطة، كزبرة وحنجرة، الصواريخ، العفاريت، العصابة، بصلة، الزعيم، وزة مطرية، عمرو حاحا، الديزل، علاء فيفتي، فريق الكعب العالي، شواحة، أبو ليلة، أندرو الحناوي.

وأحدث القرار جدلا بين مؤيد ومعارض، حتى بين المصنفين كمطربين شعبيين والذين أعلنوا التبرؤ من هذا اللون من الغناء الذي اشتهر في السنوات القليلة الأخيرة بشكل كبير وغرابته واستفزازه للكثيرين.

وفرق المهرجانات مكونة من مطربين يعتبرون أنفسهم شعبيين، وتبدو كلمات أغانيهم شديدة المباشرة، وأحيانا فادحة البذاءة، وتستخدم مفردات رائجة بالمناطق الشعبية. أما ألحانها فمكررة وشبه ثابتة، وأصوات مطربيها ليست شجية بالضرورة.


كل الطبقات
اللافت أنه رغم قرار النقابة فإن فرق المهرجانات باتت مطلوبة بشدة في حفلات الطبقات المتوسطة والغنية، بعد أن كانت مقتصرة على أفراح الحواري والأزقة الشعبية فقط.

تروي مشيرة، وهي صاحبة مدرسة بالقاهرة، أنها حضرت حفل زفاف بقصر لأحد أكبر الأثرياء وفوجئت بفرقة حمو بيكا تحيي العرس ضمن مطربين آخرين معروفين، وأدهشها التفاعل الكبير لرواد الحفل مع الفرقة بأكثر مما فعلوا مع المطربين الآخرين.

وتعتقد من خلال ملاحظتها لانطباع الحاضرين أنهم لم يطربوا للأداء، بقدر ما رأوا في الفرقة "كائنات من عالم آخر عجيبة الهيئة والأداء والمفردات" والأمر أشبه بـ "فضول الغربيين لاستطلاع الطبائع المحلية لشعوب العالم الثالث".

وحققت استعانة الطبقات المتوسطة والثرية بهذه الفرق شهرة لها، وصلت حد استعانة مصريين بالخارج لهذه الفرق في حفلاتهم.

"أغاني المهرجانات صادقة ومعبرة إلى حد كبير" هكذا يقول جلال عبده وهو سائق توكتوك بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، وهو يرفع صوت الموسيقى، ويطرب قليلا وهو يهز رأسه مع كلمات أغنية تقول "اللي يفرح يوم دموعنا يبقى يوم فرحه مضايقنا" مضيفا أنه يحس بكلماتها لأنها واقعية وصادقة وبسيطة.

جلال -الذي لا تتوقف أغاني المهرجانات في كاسيت التوكتوك الذي يركبه- لم يعرف لا اسم المطرب ولا الفرقة، نظرا لتشابه الأصوات والألحان، وكل ما يعنيه أنها تعد سلواه الوحيدة في أوقاته الطويلة المملة أثناء عمله.

وتنتمي معظم فرق المهرجانات للمناطق الشعبية التي تحتشد بطبقة تزدهر من معاناتها معاني قاسية الوضوح، لذا يسهل تقبلها وانتشارها بينهم، لتصير بهجة أفراحهم وسلوى أتراحهم، بحسب نقاد للفنون الشعبية.

صخب
يعتبر الناقد والفنان تامر عبد الشافي -في حديثه للجزيرة نت- أن أغاني المهرجانات لا يمكن تصنيفها كأحد فنون الغناء الشعبي، فهو محض صخب، بحسب تعبيره.

وتابع أن قرار النقابة بالمنع ربما لن ينجح في القضاء على الظاهرة رغم سلامته، فالنقابة نفسها كما تمنع هؤلاء تمنع أيضا فنانين حقيقيين يمكن أن يشكلوا بديلا حقيقيا وجيدا لمثل هذا اللون، وهم يستحقون العضوية ويعجزون عن الحصول عليها نظرا لعوامل لا علاقة لها بالفن.

وذكر أنه من بين أعضاء نقابة الموسيقيين المشهورين كمطربين شعبيين طارق الشيخ، عبد الباسط حمودة، أحمد العيسوي، سعد الصغير، أحمد سعد، محمود الليثي، حلمي عبد الباقي.

ولفت عبد الشافي إلى أن الظواهر الدخيلة على الفن الشعبي موجودة منذ عشرات السنين، ويمكن التفريق بينها وبين الشعبي بسهولة، كما أن الشعبي يعيش في حين يتلاشى ما هو دخيل على الفن، حسب تعبيره.

وأوضح أن المطرب الراحل محمد فوزي نفسه كان يصنف كمطرب شعبي، ومن قبله سيد درويش الملقب بفنان الشعب، وأعمالهما عاشت لأنها مستمدة من وجدان الشعب وإليه، وهو ما يعد تعريفا بسيطا للأغاني الشعبية، لأن كلمات وألحان الفن الشعبي عبرت عنهم وعن أشواقهم، مستندة لقواعد الفن وموسيقاه الشرقية.

وأضاف أن أغاني فرق المهرجانات حالة من الصخب المصنوع اصطناعا تقنيا بمزيج من صوت المؤدي وأدوات صدى الصوت المحدثة للرنين والجلبة، وهي تجتذب فئة الحرفيين وسائقي التوكتوك وسيارات الأجرة لأنها تستلهم مفرداتهم، فهم منتجوها ومتلقوها، لذا تروج بينهم وخاصة أفراحهم رغم إسفافها أحيانا، بحسب وصفه.

قديمة
على الجانب الآخر، انتقدت المطربة وعضوة النقابة مي كساب قرار النقابة، مطالبة بتوسيع مظلتها للفن الشعبي وفرق المهرجانات، واحتضانهم بإنشاء شعبة "راب" وضمهم إليها، حتى يحق للنقابة مساءلتهم إذا خرقوا ضوابطها. مع العلم بأنها زوجة مؤدي أغاني المهرجانات عمر أوكا.

وهذه الشعبة ستضمن تحصيل رسوم مالية نافعة لخزينة النقابة -برأيها الذي أعلنته بحسابها في تويتر- مطالبة النقابة برد المبالغ التي حصلتها كرسوم من هذه الفرق لو استمرت على موقفها المخل بتعميم العقوبة على الجيد والرديء معا.

ويعتقد الناقد الفني طارق الشناوي أن نقابة الموسيقيين أخطأت بقرارها، فليست كل أغاني المهرجانات -رغم سطحيتها- بذيئة وتستحق العقاب، وإلا لكان أولى بشرطة الآداب التدخل في الأمر.

ووصف معايير النقابة بأنها مطاطة لتقييمها لهذا اللون أخلاقيا وفنيا من عدمه، مؤكدا -بمقال صحفي- أن أغاني المهرجانات لن تختفي بقرار لأنها تعبر قطعا عن ذوق، مطالبا النقابة بألا تمارس فعلا رقابيا على الوجدان وتترك للناس حرية الاختيار.

وعلى الفور، صدر بيان لأعضاء مجلس النقابة هاجموا فيه بشدة مقال الشناوي، مؤكدين أن المطربين إن لم يحصلوا على تصريح بالأداء أو العضوية العاملة أو المنتسبة "فليس لهم الحق في مزاولة المهنة، وإلا تعرضوا للعقوبة المقررة قانونا، وهذا ضمن نطاق وصلاحية النقابة التي يقع عليها حماية فرص عمل الأعضاء العاملين والمنتسبين".

يُذكر أن ستينيات القرن الماضي كانت ذروة مجد المطرب عبد الحليم حافظ حينما ظهر المطرب الشعبي محمد رشدي بأغنيته "تحت الشجر يا وهيبة، يا ما أكلنا برتقال" والتي لقيت نجاحا ساحقا فاستعان حافظ بمؤلفها عبد الرحمن الأبنودي وغنى من كلماته "وأنا كل ما أقول التوبة يا أبويا".

وذهب حافظ لمدى أبعد حينما دوى في السبعينيات نجاح المطرب أحمد عدوية بأغنية "السح الدح إمبو" ورغم منع الإذاعة للأغنية باعتبارها مبتذلة فإنه غناها على المسرح وراء عدوية الذي غنى وراءه أغنيته "خسارة فراقك يا جارة".

فهل تعتبر المهرجانات امتدادا للأغاني الشعبية أم أنها لون مختلف سيستمر الفنانون في رفضه رغم قبوله شعبيا؟ ربما يبقى هذا السؤال مفتوحا دون إجابة لفترات طويلة.

المصدر : الجزيرة