غرافيتي الحج.. تراث شعبي مصري في مواجهة التكنولوجيا

يستقبل المصريون الحجاج بالمزمار والأهازيج والغرافيتي (مواقع التواصل)
يستقبل المصريون الحجاج بالمزمار والأهازيج والغرافيتي (مواقع التواصل)

شيماء عبد الله

للحج مناسك، وشعائر حددتها التعاليم السماوية. لكن في مصر، لا يصبح الحج مجرد فريضة دينية أو مناسبة سنوية مقدسة، لكنه حدث هام في حياة المصريين، لابد من توثيقه، والاحتفال به على مدار أيام وليال. لهذا تحولت المناسبة الدينية -التي تستعد لها شعوب العالم بالالتزام بالقواعد والطقوس- إلى مدعاة للابتكار والخروج عن المألوف والقواعد، فبرزت فنون الحج التي ارتبطت بمصر وأهلها وارتبطوا بها، فلا يدعى حاجا من لم يصعد عرفات، ومن لم يطف بالبيت، ومن لم يجرب الرسم والتحنين وموسيقى المزمار في مصر. 

غرافيتي الحج
على جدران المعابد القديمة والمسلات العظيمة، اعتاد المصريون القدماء توثيق رحلاتهم وأنشطتهم اليومية، فهذه رسوم للصيد، وأخرى لمعركة حربية، وثالثة لرحلة حتشبسوت إلى بلاد بونت، كانت بداية الرسوم مع الفراعنة.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، امتد الفن وانتقل من جدران المعابد إلى واجهات المنازل، ومن رسوم المعارك الحربية ورحلات الصيد، إلى رحلة الحج والعمرة، وأصبح نقش الجدران برسم الكعبة والطواف والطائرة والسفينة بديلا عن العجلات الحربية والعصافير، وأسماء الملوك، وتتزين الجدران بأسماء الحجاج، وتاريخ الرحلة المباركة، فتسجل الرحلة بذاكرة المبنى، وتبقى خالدة طالما بقي الجدار.

في القاهرة، بأحيائها التي أضحت مكتظة بساكنيها، تنحى غرافيتي الحج لصالح لافتات التهنئة بسلامة العودة وتقبل الفريضة، لكن لا تزال الأحياء الشعبية والقرى الريفية تحتفظ بالنسخ المطورة من الغرافيتي المصنوع يدويا بألوان حمراء وصفراء وسوداء، رغم أن أصحابها -الذين مارسوها لسنوات طويلة، وحفظوا أوجه الكعبة، وقواعد الطواف وشكل زي الإحرام- كان معظمهم مسيحيين.

"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، حج مبرور وذنب مغفور. آيات وجمل لا يزال أهالي حي بولاق أبو العلا يتذكرونها، بقيت منقوشة على جدران المنازل المتهالكة، تجاورها الكعبة بلونها الأسود المميز، وسفينة أو طائرة، أو جمل يرمز لمشقة الرحلة، ومدون اسم "فلان الفلاني" الذي حصل توا على لقبه الخالد "الحاج". وفي أسفل الغرافيتي، لا يزال موجود اسم العم "جرجس" أقدم خطاطي الحي الذي هجره أغلب سكانه، ورحل عنه، في حين بقيت أسماء الحجاج وإمضاء جرجس شاهدين على الفن الذي سكن هناك يوما ما.

 آيات وجمل ورسوم توثق الرحلة المقدسة (مواقع التواصل)
الأغاني والأهازيج الشعبية
"رايحة فين يا حاجة يا أم شال قطيفة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة" أشهر أغاني الحج التي لا تزال تغنى حتى الآن، وتنافس في شهرتها الأغنية الشهيرة للراحلة ليلى مراد "يا رايحين للنبي الغالي" غناء لا يحتاج للحن خاص، نغمة ثابتة تكفي مع مجموعة من النسوة العجائز يجتمعن للتقرب لله على طريقتهن الخاصة "بعيدة بعيدة ونفسي أزور وأمسح بإيدي شباكه الكريم.. وأكحل عيوني بنور البشير..بعيدة بعيدة يا أرض الحبيب.. وإن عطاني ربي لأروحلك سعيدة يا بدر ويا نور".

لطالما كان يعتبر المصريون الحج إنجازا لصاحبه، لا يضاهيه منجز آخر، فذكر ابن إياس في كتابه "بدائع الزهور" موكب الحج الذي خرجت فيه زوجة قايتباى سنة 1475، فيقول "وأمامها من الحداة أربعة" والحداة جمع حادي، وهو المغني. كما رصد بالكتاب رحلة خروج المحمل، من الخرنفش بالقاهرة إلى مكة، كان يلتف المصريون حول المحمل يغنون "بيع اللحاف والطراحة.. حتى أرى ذي الرماحة.. بيع لي لحافي ذي المخمل.. حتى أرى شكل المحمل".

عرفت أغاني الحج الشعبية وسجلت في التراث الشعبي باسم "التحنين" وهو فن أشبه "بالعديد" الذي يعبر به المصريون عن حزنهم في حالات الوفاة والفقد، أغاني الحج لا يعرف أصحابها، لكن توارثت الأجيال كلماتها وألحانها، واشتهرت النساء بأدائها دونا عن الرجال، وقسمت لنوعين، أغاني السفر والرحلة عند وداع الحجاج، وأغاني الاستقبال والفرحة بالقدوم لدى العودة للديار.

بالإضافة للاحتفال بـ "سبوع الحاج" وهو اليوم السابع لعودة الحاج المصري إلى دياره، وفيه يزوره المهنئون، وتذبح الذبائح، ويقدم الطعام، ويكون الإنشاد والغناء والمدح هو الفقرة الرئيسية في "السبوع".

غرافيتي الحج أحد الفنون التراثية (مواقع التواصل)

المزمار والطبل البلدي
فرق المزمار التي تجوب الأحياء الشعبية والقرى الفقيرة لا تزال ملمحا قويا من ملامح هذه الأماكن، لا تفارق أهلها في أي من مناسباتهم، وفي موسم الحج يكون لحاملي المزمار وعازفي الطبل البلدي موعد مع عمل لا ينقطع، وموسم يبدأ قبل الحج بأسابيع، وينتهي في اليوم السابع لعودة الحاج.

مزمار الاحتفال بالحجاج لا ينقطع إلا على أبواب المطار في التوديع والاستقبال (مواقع التواصل)

على أنغام المزمار، يعرف المصريون أن هناك مناسبة ما، ومزمار الحج لم يكن فقط داخل منزل الحجاج، لكنه كان لا ينقطع إلا على أبواب المطار في التوديع، أو على أبوابه مرة أخرى في الاستقبال.

على عكس التحنين -الذي اشتهرت بتأديته النساء- فإن فرق المزمار يقودها الرجال، وتعتمد فرقه على "النقوط" وهو الهدية المالية التي يقدمها أهل الحاج إلى الفرقة مقابل استمرارها بالعزف.

المصدر : الجزيرة