يوسف شريف رزق الله.. موسوعة الجيل الذهبي الذي ترك السياسة ليتفرغ للسينما

الناقد يوسف شريف رزق الله توفي عن عمر ناهز 76 عاما إثر وعكة صحية (الجزيرة)
الناقد يوسف شريف رزق الله توفي عن عمر ناهز 76 عاما إثر وعكة صحية (الجزيرة)

إيمان محمد

استقبل الوسط السينمائي والنقدي في مصر خبرا حزينا في الساعات الأولى من يوم الجمعة الماضي، بعد إعلان وفاة الناقد والإعلامي يوسف شريف رزق الله المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، عن عمر يناهز 76 عاما بعد مضاعفات أثر وعكة صحية أدت إلى نقله وحجزه بوحدة العناية المركزة في المستشفى.

وشيعت جنازته من مسجد السلطان حسين بمنطقة مصر الجديدة إلى مقابر أسرته على أطراف القاهرة، وسط مشيعين من تلاميذه ومحبيه إلى جانب أسرته، ومن المقرر أن تتلقى أسرته العزاء يوم الاثنين المقبل في جامع عمر مكرم بوسط مدينة القاهرة.

نشر الثقافة السينمائية
مع إعلان خبر الوفاة، نعتته المؤسسات والجمعيات التي شهدت نشاط رزق الله عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي كونه أحد المشاركين في تأسيسها، كجمعية الفيلم وجمعية نقاد السينما المصريين المعنيتين بنشر الثقافة السينمائية في مصر، وكذلك وزارة الثقافة المصرية لما له من باع طويل في التعامل معها بشكل رسمي من خلال عمله في مهرجان القاهرة السينمائي منذ البداية.

ونعته أيضا بعض قنوات التلفزيون المصري التي تعامل معها معدا ومقدما للبرامج كالقناة الأولى، وحتى التي لم يتعامل معها بشكل مباشر لكنها تعرض تراثه التلفزيوني.

ونعى الراحل زملاؤه عبر صفحاتهم وعدد كبير من الجمهور ممن تأثروا بما كان يقدمه خلال سنوات نشاطه في التلفزيون التي بدأت من عام 1975 وحتى مطلع الألفية الجديدة.

رزق الله ( يسار) برفقة الممثل الهندي الشهير أميتاب باتشان (الجزيرة-أرشيف)

نجاحاته
حالة التأثر الواضحة التي ظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي ترجع لتاريخ يوسف شريف رزق الله وتأثيره الواسع بشكل ربما يكون غير مباشر، فإلى جانب كونه واحدا من أهم الأسماء في نشر الثقافة السينمائية عموما، إلا أنه كان مختلفا عما حوله لكونه يعمل في التلفزيون المصري.

وظل نشاطه السينمائي خدميا للمجتمع في فصل تام بين كونه مهتما بالشأن السينمائي وعضوا بنادي القاهرة وجمعية الفيلم وجمعية نقاد السينما المصريين، ثم عضوا في مجالس إدارة تلك المؤسسات وعمله في التلفزيون محررا في قطاع الأخبار.

كان عمله في قطاع الأخبار يسير ويحقق من خلاله نجاحات وكذلك شغفه بالسينما، فمناقشاته للأفلام مع جمهور الجمعيات السينمائية وكتاباته في الصحف والمجلات بشكل متخصص كانا منفصلين حتى قبل عام 1975، ومن بعد هذا العام الذي شهد بداية عرض برنامج "نادي السينما" امتزجت الهواية والشغف بالعمل، حيث قدم في البداية البرنامج مع درية شرف الدين ثم اكتفى بدور المعد للبرنامج وترك التقديم.

نظام البرنامج كان شبيها بالطريقة المتبعة في الجمعيات الأهلية السينمائية، المذيعة تقدم الفيلم والضيف معها في الإستوديو والذي يتحدث بشكل موجز عن الفيلم، ثم يعرض الفيلم وبعده يكون هناك نقاش موسع ومستفيض عن عناصر الفيلم الفنية من قبل الضيف المتخصص الذى تحاوره المذيعة.

هذه الطريقة ساهمت بشكل كبير في تنمية الوعي بالسينما كفن وعناصر منحت الجمهور الخبرة اللازمة لتذوق الأعمال السينمائية، كما كان يفعل في الجمعيات ونادى القاهرة ولكن على نطاق أكبر وأوسع.

هذا النجاح الذي حققه البرنامج لم يكن وليد المصادفة، كان شرطه ليشارك في صناعة هذا البرنامج هو أن يقضي وقتا في التحضير له ليخرج بالشكل اللائق، وهو ما فعله حتى وثق من تمكنه وجاهزية البرنامج والأفلام والضيوف المخصصين ليبدأ في التنفيذ.

وبالطبع لم يكن البرنامج الأخير، مع التطوير الذي لحق بالقناة الثانية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث طلب من رزق إعداد برنامج آخر مخصص للقناة الثانية ليظهر إلى النور برنامج "أوسكار" المختلف عن نادي السينما كونه لا يستقبل ضيفا فقط، بل كانت مقدمته سناء منصور تقدم الفيلم ومعلومات غزيرة عنه وعن عناصره الفنية وأهميته والجوائز التي ترشح لها أو حاز عليها.

ربما كان هذان البرنامجان هما الأشهر في مسيرة رزق الله، لكنه أعد وقدم برامج أخرى تحمل أفكارا مختلفة لكنها تسير في الفلك نفسه.

وفى كل هذه البرامج ركز على السينما العالمية التي كان يعرض من خلالها الأفلام الأجنبية التي سيعرضها التلفزيون خلال أسبوع، مع تقديم نبذة سريعة عن كل فيلم.

إضافة إلى توثيق ذكريات صناع السينما المصريين الكبار ليكونوا بمثابة وثيقة للأجيال القادمة.

مهرجانات عالمية
كل هذه البرامج وعمله في التلفزيون لم تؤثر في دوره مراسلا من المهرجانات العالمية، يقدم رسالات من المهرجانات تعرض على شاشة التلفزيون للجمهور في مصر، إلى جانب عمله في مهرجان القاهرة السينمائي منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وحتى قبل دخوله الأخير إلى المستشفى.

حيث كان يمارس عمله مديرا فنيا للمهرجان بشكل منتظم منذ أن استعان به المؤسس الأول كمال الملاخ ليكون في فريق عمل المهرجان.

مناصبه الإدارية في التلفزيون كانت تسير بالتوازي مع نجاحه في مجال السينما، فمع تكليفه بالعمل في التلفزيون تدرج من محرر في قطاع الأخبار لرئيس تحرير، وظل يتقدم بخطوات ثابتة حتى وصل إلى رئاسة قناة النيل الدولية ثم رئيسا لقطاع التعاون الدولي ثم رئيسا لجهاز السينما بمدينة الإنتاج الإعلامي.

الحياة الصاخبة الثرية عمليا للشاب الذي تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقبلها صاحب المركز الخامس على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة، كان يقابلها وجها هادئا وابتسامة رقيقة وعلم غزير للحد الذي وصف معه بأنه موسوعة سينمائية متحركة، كان في قلب حراك سينمائي على صغر سنه أحد محركيه الأساسيين.

تكريمات وجوائز
حصل رزق الله على وسام الفنون والآداب بدرجة فارس من فرنسا، كما شارك عضوا للجنة تحكيم في عدد من المهرجانات الدولية الكبرى، وكرم في الدورة الأربعين العام الماضي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ومن المتوقع تكريمه بشكل مختلف في الدورة المقبلة للمهرجان.

المصدر : الجزيرة