الأغنية الريفية.. تراث عراقي يحتضر

الغناء الريفي اشتهر بشكل ملحوظ جنوب العراق وارتبط في ما بعد بشعر الأبوذية (مواقع التواصل)
الغناء الريفي اشتهر بشكل ملحوظ جنوب العراق وارتبط في ما بعد بشعر الأبوذية (مواقع التواصل)

علاء كولي-العراق

لطالما كان الغناء الريفي في العراق شاهداً تاريخياً ومترجماً لأحداث وأوجاع الناس، وراصداً للحياة الاجتماعية والاقتصادية خلال حقب زمنية كثيرة، منذ بداياته قبل سنين طويلة وحتى اليوم. 

وبمرور الزمن، تحول هذا الفن من كونه مجرد أغنية بسيطة إلى إرث فني وثقافي، انطلق من خلاله المئات من الفنانين في العراق، وكانت الأغنية الريفية -التي يتداولها الناس بشكل مستمر- جزءاً من الموروث السائد آنذاك، حيث ظهرت أسماء فنية لامعة في الوسط الفني العراقي، أمثال: داخل حسن وحضيري أبو عزيز وجبار ونيسة وناصر حكيم وصباح السهل وفتاح حمدان، وغيرهم من الأجيال اللاحقة.

الموطن الأصلي
تعتبر الأغنية الريفية ذات أصول جنوبية، بعدما كان النعي والشجن جزءا من حياة سكان الجنوب الذين عاشوا وعرفوا الويلات والحروب، وكانوا يعبرون عن ذلك، حيث يُعتقد بأن الأغنية انطلقت من النعي الذي كانت تردده النساء، لا سيما بعد الحروب التي تحصل، كما يقول الفنان ضياء الساعدي للجزيرة نت. 

ويضيف الساعدي أن الغناء الريفي اشتهر بشكل ملحوظ في جنوب العراق، وارتبط في ما بعد بشعر الأبوذية الذي يرسم الوجع والحزن، ويؤرخ للحوادث التاريخية ويسجل الكثير من الأحداث التي حصلت خلال سنوات النشأة الأولى لهذا اللون من الغناء وارتباطه بالأبوذية، وكيف تحول إلى فن مهم تزدهر به المجالس والدواوين والمضايف.

أطوار الغناء الريفي
مع ظهور الغناء الريفي ظهرت أطوار غنائية كثيرة، تختلف من مدينة إلى أخرى ومن محافظة لأخرى، بسبب تنوع البيئة الاجتماعية والريفية، وارتبطت تلك الأطوار بأسماء مدن، وبعضها بأسماء قبائل، وأخرى بأسماء عائلات عرفت بها تلك الأطوار، كما يقول الفنان رعد أمقيص للجزيرة نت.

ويؤكد أمقيص أن أبرز الأطوار التي اشتهرت بمرور الزمن، هي الشطراوي، نسبة إلى مدينة الشطرة، وونين السوك، نسبة إلى مدينة سوق الشيوخ، والمحمداوي نسبة إلى قرية آل بو محمد في محافظة ميسان، وطور الصبي، نسبة إلى الصابئة المندائيين، والمجراوي الى مدينة المجر في ميسان، والحياوي نسبة إلى مدينة الحي في واسط، إضافة إلى العشرات من الأطوار الأخرى التي يتجاوز أعدادها خمسين طورا.

والأطوار الغنائية أساليب وطرق يبتكرها الفنانون في الغناء، تكون خاصة بهم، أي أنه لم يغنها أحد قبلهم، وبالتالي تكون مبتكرة، وتسمى باسم بالمغني أو المدينة أو القبيلة التي ينتمي إليها، وبمرور الزمن تصنف تلك الأطوار بالمقامات الغنائية، ومن ثم انتشرت تلك الأطوار وصار لها معجبون ومغنون يواظبون على إحيائها. 

أبرز فناني الغناء الريفي
سجلت الذاكرة الفنية العراقية أسماء خالدة في الفن الغنائي الريفي، أمثال داخل حسن، حيث تصدر قائمة المغنيين الريفيين، ومن أبرزهم حضيري أبو عزيز، وناصر حكيم، وعبادي العماري، وعبد الزهرة مناتي، وحسن حول، ونسيم عودة، وسلمان المنكوب، وجبار ونيسة، وصباح السهل، ويونس العبودي، وغيرهم الكثير من الفنانين.

محاولة للنهوض
ورغم ما يحصل للأغنية الريفية العراقية منذ سنوات -وهي تواجه الاندثار- يسعى بيت الغناء الريفي في محافظة ذي قار (وهو مؤسسة حكومية تابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية) إلى إحياء تراث الأغنية الريفية، من خلال إقامة الفعاليات والمهرجانات التي تعنى بفن الغناء الريفي، بحسب ما يقوله مدير بيت الغناء الريفي الفنان ماجد الصياد للجزيرة نت. 

ويضيف الصياد أن بيت الغناء يسعى إلى إحياء الأغنية الريفية رغم المعوقات الكبيرة التي تواجههم، منذ تأسيس هذا البيت في 2004 وحتى اليوم. وقليل ما تقام في محافظة ذي قار أمسيات غنائية، بسبب المخاوف من النفوذ الديني الصاعد منذ سقوط صدام وحتى اليوم، وبسبب ما حصل قبل عدة سنوات حينما وضعت عبوة ناسفة قرب مكان لإقامة حفل غنائي وسط الناصرية، وهو ما يجعل هذه المدينة حذرة من أي نشاط غنائي إلا ما ندر.

المصدر : الجزيرة