مسلسل "جن".. رعب بصري أم اجتماعي؟

منذ اليوم الثاني للعرض واجه المسلسل عدة انتقادات داخل المجتمع الأردني وأثار جدلا (مواقع التواصل)
منذ اليوم الثاني للعرض واجه المسلسل عدة انتقادات داخل المجتمع الأردني وأثار جدلا (مواقع التواصل)

عبد الله غنيم

عرضت شبكة نتفليكس في 13 يونيو/حزيران الجاري أولى تجاربها للإنتاج العربي عبر منصتها مسلسل "جن" الأردني بحلقاته الخمس ومجموعة من الممثلين الشباب الذين يمثلون لأول مرة.

ومنذ اليوم الثاني للعرض واجه المسلسل عدة انتقادات داخل المجتمع الأردني، وأثار جدلا ما بين مؤيد ومعارض، إذ قال نقيب الفنانين حسين الخطيب في اتصال هاتفي مع برنامج "الحكاية" للإعلامي المصري عمرو أديب "المسلسل تم تصويره في الأردن دون علم نقابة الفنانين. أبطال المسلسل ليسوا أعضاء بالنقابة، وليس لهم حضور فني سابق".

وأضاف الخطيب "هذه التلفزيونات تدخل كل بيت، وبعض المشاهد التي قدمها المسلسل لا تتسق مع عاداتنا وتقاليدنا ولا مع قيمنا ولا إرثنا ولا الإطار الإنساني بشكل عام". وبينما شدد على التزام نقابة الفنانين بحرية التعبير أوضح الخطيب أن الحرية يجب أن تكون محددة.

من جانبها أصدرت "الهيئة الملكية الأردنية للأفلام" بياناً حول "جن" بعد عرضه بثلاثة أيام، قالت فيه "المسلسل يُعرض على نتفليكس وهي منصة عالمية موجودة في تسعين بلدا. لا يمكن مشاهدة أي محتوى عليها لغير المشترك بها وبعد قيامه بتسديد رسوم الاشتراك. وبالتالي هي ليست منصة مفتوحة، بل لكل فرد خيار الاشتراك بها أم لا".

وردت نتفليكس في تغريدة نشرتها عبر حسابها العربي بأنه لطالما التزم موقفها بقيم التنوع وأنها تسعى دوماً لتوفير مساحة آمنة لكل محبي المسلسلات والأفلام في المنطقة، وأنها لن تتهاون مع أي من التصرفات والألفاظ الجارحة لطاقم العمل.

بردود الفعل الغاضبة والمتسامحة حول المسلسل، حققت نتفليكس أحد الأهداف التسويقية المهمة لأي شركة داخل سوق جديدة، الكثير من الجدل النابع من مواقف أخلاقية بين ثقافات مجتمعين أميركي وشرقي. لكن ماذا عن الجوانب الفنية للمسلسل؟ وماذا عن المحتوى ذاته بشكل مجرد من حوار الثقافات أو صراعها؟ 

الرهان على خيار الرعب
يعد موضوع/ثيمة الرعب خيار سهل لأي منتج فني، إذ يجذب انتباه المتلقي ويحتفظ به لآخر لحظة، أيا كان وسيط تقديمها، بدءًا من حكاية الجدات المرعبة وحتى الأعمال الدرامية، مرورًا بأدب وسينما الرعب، لذلك ربما اختارت نتفليكس المراهنة على خيار الرعب في عملين قائمين على فكرة الرعب من أعمالها الثلاثة العربية الأولى، إذ أنتجت وعرضت مسلسل "جن" وتعاقدت على إنتاج عمل فني قائم على سلسلة روايات "ما وراء الطبيعة" المصنفة ضمن فئة أدب الرعب للمراهقين. لكن هل قدمته بشكل مناسب في "جن"؟

يحفل المخيال العربي الشعبي بعشرات القصص عن الجن والعفاريت، ما بين لقائها فجأة أو التواصل معها وتسخيرها. وهذه الفكرة صالحة دوماً للتفاعل معها، وهذا ما يطرحه مسلسل "جن": اثنان من عالم الجن، أحدهما طيب والآخر شرير، اختارا مجموعة من المراهقين بمدرسة ثانوية في عمان للتواصل مع عالم الإنسان.

فكرة تقليدية وصالحة كل وقت لكن بشرط تقديمها بطريقة مبتكرة، وهذا ما لم تستطع نتفليكس تقديمه في نسختها عن العفاريت، رغم ما تملكه من تقنيات كان من شأنها تقديم تقنيات بصرية غير مسبوقة. وجاءت الصورة تقليدية مفتقرة للخيال، حيث ترتعش الإضاءة وتشتد الرياح عند حضور الجن مثلا.

السيناريو أيضا لم يقدم أفكارا جديدة، فبخلاف الحلقة الأولى التي يرى فيها المشاهد جريمة قتل ومرتكبها مجهول، ويتعرف إلى الجن واتصاله بالبشر، أتت الحلقات الأربعة التالية تمثيلًا لصراع بين فريقين جني وبشر طيبين في مواجهة بشر وجني شرير، دون إجابة عن تساؤلات بسيطة لها علاقة بتكوين الشخصيات وتصرفاتها، أو العلاقة بين الجن والبشر وأسباب وحتى تواصلهم.

فلا نعرف كمشاهدين كيف تم استدعاء هذا الجن إلى عالم البشر؟ وما هدفه من التواصل مع البشر أو التلبس بهم بموافقتهم؟ ولماذا تتصرف هذه الشخصيات هكذا؟ وفي الوقت الذي لم يشرح فيه المسلسل أي جانب عن خلفية الشاب حسني البدوي الذي يتمثل فيه الجني الطيب، استعرض السيناريو جانبًا عامًا عنن العلاقة بين مجتمع البدو وأبناء المدينة.

كذلك لم يعرف المشاهدون خلفية الطالب حسن الذي يعرف كل شيء عن الجن ويرجع أسباب كل ما يحدث إلى الجن، ولم نعرف كيف جمع معلوماته أو من أين تعرف إلى هذا العالم الغامض، هو فقط يعرف هكذا، وفقط يعزي كل الغوامض إلى فعل الجن.

كذلك تظهر شخصيات دون فهم أسباب ظهورها، ولا طبيعة العلاقات بين الشخصيات الرئيسة أو تحولاتها، مثلًا شخصية الشابة ليلى التي تشارك صديقها ناصر علاقة رومانسية تمر بأزمة، ثم تحاول الدخول في علاقة مع شاب آخر، ثم لا نعرف إن كانت بشرية خالصة أم تلبسها جن ولا كيف حدث ذلك، ربما جاءت هذه الثغرات لسوء التواصل بين الكاتب الأميركي إيلان داساني (Elan Dassani) والمخرج والكاتب الأردني أمين مطالقة اللذين أشرفا على كتابة الحلقات.

فضلا عن أزمات السيناريو والثغرات السردية التي حفل بها، فقد جاء أداء الممثلين ضعيفا، ربما لكون "جن" أولى تجاربهم التمثيلية، لكن تعبيرات أساسية تفرضها الأحداث مثل الفرح والخوف أو الدهشة لم تظهر بشكل حقيقي على ملامح الممثلين، حدث مثل موت غامض لزميل دراسة سيحتم ردود فعل قوية بين مجموعة من المراهقين، لكن أداءهم كان باردا كأنهم يجدون جثة غارقة في دمائها مرة كل أسبوع.

وكما أسلفنا حققت نتفليكس هدفا تسويقيا مهما وكونت حالة من الترقب لأعمالها العربية المقبلة، وبعد التساؤلات التي لم يجب عنها سيناريو "جن" علينا انتظار الجزء الثاني الذي حتمًا ينبغي أن يجيب عنها، وربما تعيد الشبكة النظر في الجودة الفنية للمحتوى التي تنتجه لجمهورها العربي.

بالتأكيد ينتظر الجمهور جزء ثانيا يجيب عن تساؤلاتهم وبخاصة مع الجدل المثار حول صراع الثقافات الشرقي الأميركي، لكن المستوى الضعيف الذي جاء به مسلسلها العربي الأول من فئة الرعب يثير القلق حول كيفية تقديم مسلسلها "ما وراء الطبيعة" كما يثير الفضول والترقب لهذه التجربة التي تتمتع برصيد مسبق من الإعجاب وقاعدة شعبية للروايات الأكثر انتشارا بين المراهقين العرب.

المصدر : الجزيرة