معهد الدراسات الموسيقية في بغداد.. إرث كبير وحاضر مؤسف

ممرات معهد الدراسات الموسيقية وباحته وجدرانه صممت بإتقان وجمال (الجزيرة نت)
ممرات معهد الدراسات الموسيقية وباحته وجدرانه صممت بإتقان وجمال (الجزيرة نت)

ليث ناطق-بغداد

قرب جسر "السِّنك" بقلب بغداد، وفي شارعها "الرشيد"، تنتصب بناية معهد الدراسات الموسيقية بطرازها القديم. لكنها تبدو غريبة على المكان، فقد تحول هذا الجزء من الشارع في العقدين الأخيرين إلى مركز تجاري لبيع أدوات السيارات، لينطوي مبنى المعهد على موسيقاه بمعزل عن محيطه.

التأسيس
يعود تاريخ تأسيس المعهد إلى العام 1970، وشهد بين جدرانه التراثية لحظات نشوء وتطور فنانين كبار كالموسيقار نصير شمة والفنان كاظم الساهر وقارئة المقام فريدة محمد علي. وسبق لأسماء كبيرة أخرى أن درّست فيه مثل منير بشير وروحي الخماش وعباس جميل وغانم حداد.

لم يكن المبنى الحالي المحطة الأولى لمعهد الدراسات الموسيقية، فقد انبثق في أحد مباني منطقة "الوزيرية" حتى انتقاله إلى مبناه الحالي الذي يطلُّ على نهر دجلة من جانب الرصافة.

وكان المبنى فيما سبق بيتا لعبد الرحمن النقيب أول رئيس حكومة عراقي، ويضم في ثناياه مجموعة من قاعات إلقاء المحاضرات وقاعات فرعية أخرى كورشة تصليح الآلات التي بدت خالية من أي آلات موسيقية أو أدوات تصليح وأستوديو التسجيل الصوتي.

مرافق المعهد تعاني الإهمال ومنها أستوديو التسجيل الصوتي (الجزيرة نت)

انحدار من القمة
عاش معهد الدراسات الموسيقية ذروته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ليتأثر كغيره من مؤسسات الدولة بالحصار الاقتصادي في التسعينيات وينحدر عملُه بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

يعزو مدير المعهد محمد عبد الرضى جبار تراجعه إلى الإهمال الحكومي للثقافة والفنون، وقال في حديثه للجزيرة نت "كان خريجو المعهد يجدون مكانا في سوق العمل لاهتمام الدولة بالفنون والتثقيف، فيشهد المعهد إقبالا كبيرا مقارنة بالسنوات الأخيرة الشحيحة الإقبال".

بالإضافة إلى ذلك، يعتقد عبد الرضى أن تسليم مهمة إدارة دائرة الفنون الموسيقية إلى شخصيات ليست متخصصة، سبب آخر لتراجع مستوى الموسيقى العراقية بشكل عام ونشاطات الفرق والموسيقيين. ويضيف "خَلَتْ دائرة الفنون الموسيقية على مدار السنوات الأربع الماضية من مدير عام يدير شؤونها، مما تسبب في انزياح نشاطات الدائرة عن أهدافها".

باحة "بيت العود" في معهد الدراسات الموسيقية (الجزيرة نت)

لا إقبال يُغذيه
تتوزع الدراسة في المعهد إلى خمس مراحل، ولا يتجاوز عدد الطلبة في مراحله الخمسة مجتمعين 50 طالبا الآن. ويعتقد الفنان وعازف العود مصطفى زاير -وهو خريج المعهد وأحد أساتذته- أن عمل المعهد بحاجة إلى التدعيم، ويقول في حديثه للجزيرة نت "يجب تدعيم شهادة المعهد ورفع قيمتها، وحتى بناية المعهد وأدواته بحاجة إلى التدعيم والتطور من أجل استقطاب عدد أكبر من الطلبة وصقل مواهبهم الموسيقية على نحو محترف".

ويرى زاير أن على الدولة توفير الظروف الملائمة لاستقطاب 50 طالبا على أقل تقدير في العام الواحد، مضيفا أن "هناك طرقا لترغيب التلاميذ وإغرائهم بالمجيء للدراسة في المعهد، كالتجوال على المدارس واختبار مواهب التلاميذ واستقطاب الموهوبين منهم".

وشهد معهد الدراسات الموسيقية في السنوات الأخيرة محاولات لإقامة نشاطات وتشكيل فرقة دائمة يُكوّنها طلبتُه، لكن جميع هذه النشاطات تلاشت لعدم وجود عناصر الاستمرارية.

أعمدة المعهد تحمل سقوفه وتحفظ ذكرياته الثمينة (الجزيرة نت)

ملامح البقاء
رغم شحّتها ما زالت جدران المعهد التي يعتقد مصطفى زاير أنها "مرصوصة بالذكريات والموسيقى", تحتضن بعض المواهب الشابة التي تحاول شقّ طريقها في عالم الموسيقى المحترفة، فيواضب الطالب مصطفى مهدي على المجيء إلى المعهد حتى بعد انتهاء العام الدراسي للقاء زملائه وأساتذته وتأدية التدريبات على آلة الجوزة التراثية.

يقول مهدي في حديثه للجزيرة نت وهو يحزم حقيبة آلته بعد انتهائه من العزف عليها "لا شيء في هذا المكان يشجع على المجيء إليه.. لا شيء غير حب الموسيقى".

المصدر : الجزيرة