الفن والموضة.. تناغم أم صراع؟

الفن والموضة.. تناغم أم صراع؟

تؤخذ خصائص جسم الإنسان وحركته وشكله في الاعتبار أثناء تصميم الملابس (بيكسابي)
تؤخذ خصائص جسم الإنسان وحركته وشكله في الاعتبار أثناء تصميم الملابس (بيكسابي)

سارة عابدين

يستخدم مصطلح المظهر فيما يخص الإنسان للتعبير عن الجسم والملابس، وللبشر قدرة كبيرة على التواصل بطرق مختلفة، منها المظهر الذي يمثل نوع من أنواع التواصل غير اللفظي مع المحيطين.

في عصور ما قبل التاريخ كان المظهر يعتمد فقط على الجسم، لأن مفهوم الملابس لم يكن تطور بعد. ومع ذلك هناك وثائق ورسوم تاريخية قديمة، توضح أنه حتى في السنوات الأولى تم استخدام المواد الطبيعية لتغيير لون الجلد والشعر أو ملمسهما.

ظهر بعد ذلك مفهوم الملابس لكن بشكل أولي بهدف الحماية والراحة، ثم تطور ذلك المفهوم لتكون الملابس بمثابة زينة وتجميل، لذلك فإن خصائص جسم الإنسان وحركته وشكله، أصبحت تؤخذ في الاعتبار أثناء تصميم الملابس. 

يولد الأشخاص في ثقافات معينة يتعرفون من خلالها على المعايير السائدة للملابس في تلك الثقافة. وبالتالي فإن مفاهيم الجمال السائدة، والقواعد الاجتماعية والثقافية، ونمط الحياة، كل هذه العوامل تؤثر في شكل الملابس والموضة في كل ثقافة، ومع تطور الثقافات أصبح المظهر أكثر أهمية كوسيلة للتعبير عن الذات، والطبقة الاجتماعية والسياق الثقافي والديني.

سلفادور دالي وإلسا شيفاريللي
بدأت العلاقة بين الموضة والفنون بشكل واضح عند تعاون المصممة الإيطالية إلسا شيفاريللي، مع الفنان السريالي الإسباني سلفادور دالي. كانت شيفاريللي تمتلك طابعا غرائبيا وخياليا، ونظرا لتلك الخصائص، كان من المناسب أن يتعاونا معا. كان دالي مصدر إلهام كبير لها في العديد من التصميمات خاصة فستان سرطان البحر الشهير، وهو فستان حريري صيفي رسم دالي في منتصفه، أسفل الوسط رسما كبيرا لسرطان البحر بلون أحمر لافت. 

ارتدت الفستان الناشطة الاجتماعية واليس سمبسون، ونشرت صورتها على مجلة فوج الشهيرة. يذكر أن سمبسون زوجة إدوارد الثامن دوق وينزر، الذي تنازل عن العرش ليتزوجها. لم يتوقف التعاون بين شيفاريللي ودالي عند هذا الحد، فقد صمم دالي قبعات وأحذية لموسم1937-1938. 

كان دالي مصدر إلهام كبير لشيفاريللي في العديد من التصميمات خاصة فستان سرطان البحر الشهير (مواقع التواصل)

بيت موندريان وإيف سان لوران
في عام 1965 كشفت المصممة الفرنسية إيف سان لوران عن سلسلة من الفساتين المستوحاة من أعمال الفنان الهولندي بيت موندريان. كانت لوران معجبة بشدة بالنقاء اللوني وبساطة الخطوط الخاصة بموندريان، إلا أن حرص لوران على إضفاء سمات الفخامة على الفساتين جعلها تتعارض مع هدف موندريان الأصلي وهو البحث عن التقشف والبساطة، ومساعدة العالم على التحرر من المادية، وهنا يكمن واحد من أهم الاختلافات بين الفن والموضة.

بيكاسو وسيرغي دياغيليف
في عام 1917 قام بيكاسو بتصميم أزياء أحد عروض الباليه، الذي كتبه الكاتب الفرنسي جان كوكتو، وقام بأدائه مصمم وراقص الباليه الروسي سيرغي دياغيليف، بالتعاون مع راقصة الباليه أولغا خوخلوفا، التي أصبحت زوجة بيكاسو فيما بعد. 

بالنسبة لأولئك الذين نظروا إلى التكعيبية على أنها تمثل انهيار الطرق الفنية التقليدية في فهم العالم، فإن انجذاب بيكاسو لدوائر الباليه وتصميم الأزياء، كان مخيبا للآمال في النظر إليه كفنان طليعي متمرد.

فن البوب وتصميم الأزياء
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت فنون جديدة، عطلت سوق الفن الكلاسيكي، وهو ما يسمى البوب أرت لرائده آندي وارهول، الذي تحدى ثقافة الفنون الجميلة واقتحم صناعة الأزياء دون قصد، بعد أن ولت أيام الأزياء الراقية الخانقة المخصصة للنخبة. استمر المصممون مثل فيرساتشي و كريستيان ديور في دمج مطبوعات وارهول في ملابسهم حتى التسعينيات.

كشفت المصممة إيف سان لوران عام 1965 عن سلسلة من الفساتين المستوحاة من أعمال الفنان بيت موندريان (مواقع التواصل)

نظارات الباوهاوس
في مطلع هذا العام، احتفالا بمرور 100 عام على إنشاء مدرسة الباوهاوس، أنتجت مجموعة neu bau للنظارات الشمسية نسخة جديدة باسم "فالتر أند فاسيلي" تكريما لمؤسسي مدرسة الباوهاوس فالتر غروبس وفاسيلي كاندنسكي. 

اعتمد المصممون الأنابيب المعدنية الرفيعة المميزة لعصر الباوهاوس، وحولوها إلى إطارات من التيتانيوم القابل للتكيف، و استخدموا الدوائر الواضحة كعنصر أساسي في التصميم بألوان مثل النحاسي والأسود والفضي، في تباين واضح مع شكل ولون الإطارات. وتبدو النظارات تنفيذا بصريا لشعار الباو هاوس "الشكل يتبع الوظيفة".

الفن والموضة علاقة ملتبسة
رغم التعاون المتجدد بين الموضة والفن فإن العلاقة بينهم ما زالت ملتبسة، فالبعض يدافع عن الموضة باعتبارها فن حقيقي، وطريقة لتوثيق الحياة في فترات زمنية مختلفة، بالإضافة إلى اتساع مفهوم الفن وتداخل الأنواع الفنية المختلفة. يعتقد المتفقون مع اعتبارها فنا أن الموضة لم تعد قائمة فقط على جعل الشخص جميلا، لكنها مهارة وإبداع يمكن من خلالها سرد قصة من وجهة نظر تاريخية أو سياسية أو بيئية مثل العروض التي أقيمت لعرض ملابس مصنوعة من إعادة تدوير القمامة، للفت الأنظار إلى التلوث المستمر في البيئة.

يمكن تلقي هذه العروض بوجهتين نظر متباينتين، الأولى هي أن هؤلاء العارضون يرتدون قمامة لا أكثر. أما وجهة النظر الثانية فسيدرك أصحابها أن هناك رسالة يحاول مصمم الأزياء إيصالها من خلال العرض.

أما الفريق الآخر الذي لا يتفق مع كون الموضة فن، يدافعون عن وجهة نظرهم، قائلين إن للفن دورا فلسفيا يسعى لاستكشاف أوجه الغموض والجماليات المتعددة، وهو ليس مجرد تعبير عن الذات، أو توثيق للحياة، لأن كتب التاريخ تخبرنا كل شيء عن الحياة في فترات مختلفة لكنها ليست فنا. ويؤكدون أن الأزياء في النهاية لها غرض عملي ووظيفي، الأمر الذي لا ينطبق على الفن، الذي يقوم على الحوار بين العمل الفني والمتلقي، لذلك يحتاج إلى مجهود ذهني وخلفية ثقافية للتوصل إلى تأويل شخصي لكل عمل فني.

يبقى الفارق الرئيسي بين الفن والموضة هو أن ما يحفز الفنانين لصنع الأعمال الفنية المختلفة هو الرغبة في الخلود، سواء تخليد العمل أو فكرته، بطريقة تتجاوز الاتجاه السائد ولا تفكر به، بينما مصمم الأزياء عكس ذلك تماما، فهو يعتمد على التغيير المستمر، وعلى ما يفكر فيه أو يتطلع إليه الجمهور، لذلك غالبا ما يؤدي مزج الفن مع الموضة إلى بعض التوتر والالتباس بين الرغبة في الخلود والرغبة في مواكبة رغبات الجماهير العابرة.

المصدر : الجزيرة