إعادة بناء المنطار الفلسطيني.. دعوة فنية للعودة إلى الحقل

إعادة بناء المنطار الفلسطيني.. دعوة فنية للعودة إلى الحقل

شكّلت المناطير معلما هاما في المشهد الريفي الفلسطيني (الجزيرة)
شكّلت المناطير معلما هاما في المشهد الريفي الفلسطيني (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

في حديقة المتحف الفلسطيني ببلدة بيرزيت وسط الضفة الغربية، كان الفلاح حسن عودة يشرح للزوار عن "المنطار" الحجري الذي بناه هنا في شكل مخروطي تعلوه قبة ويفضي إلى سطحه درج من حجر البلدة نفسها.

سيصبح هذا المنطار (القصر الحجري) ركنا دائما قرب المتحف، ويأتي بناؤه ضمن رؤية للفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور الذي اختار إقامة نموذج حي للمناطير (قصور المزارع) التي تنتشر في الريف الفلسطيني وتوقف الفلاحون عن بنائها بسبب الحروب والظروف الأمنية أو لانشغالهم بعيدا عن العمل في الزراعة.

وشرع المتحف الفلسطيني ببناء المنطار تزامنا مع افتتاح معرضه الثالث "اقتراب الآفاق" الذي يركز على التحولات الفنية للمشهد الطبيعي بفلسطين. ويسعى لتحويله إلى قيمة تعليمية لطلبة المدارس ودارسي العمارة بالجامعات الفلسطينية.

والمناطير عمائر حجرية تتناثر في المنحدرات الجبلية بالريف الفلسطيني، ويمكن مشاهدة أبنيتها القديمة متوارية بين أشجار التين وكروم العنب وسط وجنوب الضفة الغربية خاصة.

وقد شكّلت معلما هاما في المشهد الريفي، وباتت مثل غيرها من أنماط العمارة التقليدية مهددة بالاندثار نتيجة النمو العمراني المتسارع والفجوة الهائلة بين الأجيال التي حولتها إلى آثار معزولة ومتروكة، وقد غاب الاهتمام بمعرفة الغاية منها وأسلوب بنائها التقليدي.

وارتبطت المناطير بالمواسم الزراعية، حيث استخدمتها العائلات القروية بيوتا صيفية خلال ما يعرف بأشهر "التعزيب" حيث تقيم العائلة حتى اقتراب الشتاء بين بساتينها وكرومها الزراعية.

ويشير المتحف الفلسطيني إلى أن المناطير بنيت غالبا من حجارة الأرض غير المهذبة المتوفرة في البيئة المحيطة، وتسمى "حجارة الرجادي"، ولا يستخدم في بنائها أي إسمنت أو مؤونة بين حجارتها بل تعتمد على قوة تماسك الحجارة بين بعضها.

ولهذه المباني تسميات عديدة منها المناطير أو القصور أو بيت العزبة أو المصيف أو المسهر أو الطيارات.

باني المنطار حسن عودة يشرح للفنان سليمان منصور طريقة إنشائه التقليدية (الجزيرة)

بعيدا عن الحداثة
يقول الفنان سليمان منصور -الذي قضى طفولته قريبا من المناطير في ريف بيرزيت- إن لهذه الأبنية طقوسا اجتماعية عاشتها معظم العائلات الفلسطينية خلال الصيف.

ويضيف: المنطار هو المشهد الطبيعي الذي يعبر عن برية عشوائية يسكنها المقيمون في الأرض بعيدا عن صنعة الحداثة وقريبا من فطرة الحياة، وفيها حقول القمح وأشجار الزيتون وكروم العنب، وهناك عائلات بأكملها تفلح وتحصد وتقطف. وفي قلب هذا المشهد يظهر بناء حجري يتوسط المكان تعتليه "عريشة" من أشجار العنب وتحيطه حركة تبدأ فجرا ولا تنتهي إلا في وقت متأخر من ليالي الصيف.

وظهر المنطار في أعمال منصور منذ عام 1981 وفي عدة لوحات تشكيلية، لكنها المرة الأولى التي يكرس فيها حقيقة المنطار على الأرض.

ويعيد منصور تقديم هذا المشهد الذي شكل ذاكرته الشخصية، بعد أن توقف الفلسطينيون عن بناء المناطير منذ عقود طويلة، كما يقول. ويعتقد أن إعادة تمثيله في بناء حي تكريس للمشهد الفني الفلسطيني ورموزه التي تتعرض لموجة تأثر بالحداثة وخاصة في أوساط الفنانين الشباب.

ويقول إنه يسعى من خلال بنائه إلى تذكير الأجيال الفلسطينية وتعريفها بالأرض ودعوتها للعودة إلى العمل في الحقل والبيارة.

وفي بحثه عن نمط العمارة التقليدية في الريف الفلسطيني، يوثق أستاذ العمارة بجامعة بيرزيت شادي الغضبان 167 منطارا في قرية عين قينيا شمال شرق رام الله، وفي مساحة لا تزيد على ثلاثة كيلومترات فقط.

يقول الغضبان إن المناطير انتشرت في ريف رام الله بكثرة بالنظر لانتشار كروم العنب والفواكه الصيفية التي كانت تجلب العائلات من القرى للسكن فيها حيث يقطفون ويحصدون محصولهم ويحولون منتجاتهم إلى قطين وزبيب (تين وعنب مجففين) ويخزنون محاصيلهم لفصل الشتاء.

وقد اتخذت المناطير في الساحل الفلسطيني بالأراضي المحتلة عام 1948 أشكال المعرّشات المبنية من الخشب والقش، وليس الأبنية الحجرية. لكن الغضبان يشير إلى أن المنطار منتشر في منطقة حوض البحر المتوسط عامة في المناطق الزراعية منها، وموجود بكثرة في مالطا ومناطق بإيطاليا وفرنسا.

وخلال سنوات الثورة الفلسطينية، هُجرت المناطير بسبب الظروف الأمنية، لكن بعضها استخدمت من قبل المطاردين من الاحتلال الإسرائيلي كمحطات اختباء أثناء سنوات الانتفاضة أيضا.

هجرت المناطير خلال سنوات الثورة الفلسطينية بسبب الظروف الأمنية (الجزيرة)

آخر بناة المناطير
ويسمى الفنان سليمان منصور، باني منطار المتحف (حسن عودة) آخر بُناة المناطير في فلسطين. ويقول عودة إنه تعلم بناءها من والده وبنى أحدها في أرضه بقرية عارورة شمال رام الله قبل ثلاثين عاما، حيث كانت عائلته تتخذه عزبة صيفية حتى أكتوبر/تشرين الأول حين يبدأ الشتاء وتخزن فيه محاصيل القمح والشعير ويستخدم سطحه لإنتاج الفواكه والخضار والحبوب المجففة.

ويضيف "رغم عدم استخدام الإسمنت في إنشائها فإنها أكثر قدرة على مواجهة تأثيرات الطبيعة كالزلازل من البيوت الإسمنتية، بسبب اعتمادها على قوة إسناد الحجارة لبعضها البعض".

واستخدم عودة الطريقة التقليدية في إنشاء منطار المتحف الفلسطيني، معتمدا على بناء قاعدة صخرية في عمق الأرض ثم إقامة جدران سميكة من صخور تسند بعضها بعضا.

المصدر : الجزيرة