فرنسا.. كيف قوّت الفنون الجميلة من شوكة التمييز العنصري؟

فرنسا تعتبر واحدة من أهم مراكز الفن في العالم (رويترز)
فرنسا تعتبر واحدة من أهم مراكز الفن في العالم (رويترز)

هند مسعد 

منذ العصور الوسطى، تنعم فرنسا بحالة ثراء فني في الفنون التشكيلية والهندسة المعمارية والموسيقى والأدب. وقد كانت البلد لعقود، ومازالت، موطنا وقِبلة لمعظم أعلام الآداب والفنون منذ مطلع القرن 19 حتى الآن.

وأمثال أولئك على سبيل المثال لا الحصر: كلود مونيه وبابلو بيكاسو وإرنست همنغواي، وغيرهم الكثيرون. كما كانت البلد ولا تزال وجهة ثقافية يرنو لها العديدون من كافة البلدان.

لكن في الوقت نفسه، فإن البلد الذي لطالما اُعتبر عاصمة للفنون كانت في نفس الآن مرتعًا للعنصرية ضد السود والعرب والمسلمين.

فوفقا للجنة الوطنية الفرنسية لحقوق الإنسان، فإن الدولة التي تعتبر واحدة من أهم مراكز الفن في العالم، تتبنى شريحةٌ كبيرة من مواطنيه قناعات عنصرية قائمة على التمييز العرقي، وقد جاء في تقرير نشرته عام 2016 أن أكثر من 8% من المواطنين يرون أن هناك بعض الأعراق متفوقة على غيرها.

وعادة ما كانت تدعي الدولة أن مثل تلك الإحصائيات قناعات فردية لأشخاص غير أسوياء، وأن القانون والدستور يحميان حرية الاعتقاد والرأي والتعبير.

غير أن ما أتى لاحقا ناقض كل تلك الادعاءات من قبل الدولة. فقد منعت فرنسا في السنوات الأخيرة ارتداء البرقع (النقاب) وكل الأزياء الدينية التي من شأنها تحديد الانتماء، بقرار برلماني وافق عليه معظم أحزاب اليمين واليسار وأيدته حركات نسوية عدة.

"لم تعد المسألة هل يتبنى المهاجرون قيم الثقافة الفرنسية أم لا. بل إن فرنسا تتخلى عن ثقافتها وقيمها وتاريخها للتكيف مع ثقافة الآخرين"
البرلماني الفرنسي كوب أحد أكثر المؤيدين لقرار حظر الشارات الدينية

تاريخ الفنّ الفرنسي مع العنصرية
وفقا لمقال صحيفة غارديان بعنوان "فرنسا تعالج غياب السود عن الفن. فمتى تفعل المملكة المتحدة" دعّمت أعمالٌ فنية ولوحات عدة القصص الخيالية للدول الاستعمارية حول سيادة ونقاء العرق الأبيض في قرون سابقة.

فقد ربطت تلك اللوحات بين جمال وسمو المنتج الثقافي أو الفني من ناحية وكونه منتجا أوروبيا. أو بالأحرى، هو عمل فني سام لأنه عمل فني أوروبي.

ومن هذا المنطلق بالتحديد، صارت المعارض والمتاحف الفنية بحرا زاخرا بالفنون الجميلة ومرتع عنصرية في الوقت ذاته.

فعدد ضخم من اللوحات ركز على تيمة بعينها تم إنتاجها مرارا وتكرار في عدة لوحات لعدة رسامين رغم اختلاف مواضيع تلك اللوحات.

ذاك الموضوع هو الجسد الأبيض العاجي شديد البياض وشديد التناسق، لذلك فإن المتاحف والمعارض الفنيّة حسبما أوردت الصحيفة "تمثل تجسيدا للبياض في بعض الأحيان. ويتم تصميمها فقط لإثبات أن الثقافة الرفيعة هي ملك للذين ينحدرون من أصول أوروبية".

كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية أن العنصرية تسكن بين ثنايا تاريخ الفن الفرنسي، وفي الوقت الذي نجد فيه لوحات بورتريه لأشخاص من ذوي العرق الأبيض فإننا نجد اللوحة مسماه باسم الشخص، مثل بورتريه لفلان أو فلانة.

لكن الأمر ذاته لا يحدث مع البورتريهات التي تتناول أصحاب البشرة السمراء. والتي عادة ما تسمى بورتريه لشخص أسود أو بورتريه لزنجي/زنجية.

تشوهات إنسانية تسبب فيها الفن الجميل
يرى المؤرخ الفني ألكسندر كوفمان في هذا الصدد أن موجات العنف الأبيض التي اجتاحت معظم القارات منذ قرون مضت -منذ انطلاق الحملات الصليبية- لم يفلت منها الفن.

فقد كرست أعمال بعينها لفكرة سيادة الرجل الأبيض. حتى أن رواية تاريخ الفن العالمي أصبحت حقا حصريا له.

فكل تلك المتاحف والمعارض على قدر الروعة التي تبدو عليها إلا أنها أشبه "بمستعمرات" على حد وصفه.

ويذهب كوفمان للقول إن تلك المبادئ الاستعمارية والعنصرية التي أسست للمعارض والمتاحف الفنية في فرنسا ومنها لأوروبا تم تصديرها مع غزو الرجل الأبيض للأميركيتين.

"نشأت المتاحف الأميركية الموسوعية على نفس وجهات النظر العالمية التي لا تختلف عن نظرائها من البيض المتفوقين والقوميين اليوم. وقد سعى مؤسسو المتاحف لدينا إلى إرث أميركا من الإمبراطورية الأوروبية وإلى حضارة الطبقات، مع استثناءات قليلة".
كوفمان

المتاحف والعدالة الاجتماعيّة
جاء ذلك في البيان الذي أعلنت فيه حركة "أوقفوا استعمار هذا المكان" (Decolonize This Place) عن نفسها بوصفها حركة مجتمعيّة تسعى لتحرير المتاحف من سيطرة الرجل الأبيض، وذلك في إطار أكبر وهو تكوين حالة من العدالة الاجتماعية التي تفتقر لها المجتمعات الأوروبية بشكلها الحالي.

وبالرغم من أن الحركة انطلقت في الولايات المتحدة عام 2016، فإنها استهدفت في المقام الأول البلد الذي تمتلك أشهر المتاحف في العالم، فرنسا، وعلى رأسها اللوفر وأورسيه.

كما تستهدف الحركة كافة المؤسسات الثقافية الأوروبية والأميركية. وتتخذ مواقف مناهضة صارمة للاحتلال الصهيوني لفلسطين بوصفه أوضح مظاهر الاستعمار الثقافي القائم على طمس الهوية الثقافية للمجتمع الفلسطيني الأصلي.

وتتخذ "أوقفوا استعمار هذا المكان" مواقف مناهضة تجاه التاريخ الاستعماري الذي بدأ منذ الحملات الصليبية -ولا يزال مستمرا- لكنه اتخذ أشكالا مختلفة.

وفي إطار ذلك، تعطي الحركة كامل الدعم لكفاح السكان الأصليين في فلسطين وفي الأميركيتين وأي بلد يعاني من سيادة الرجل الأبيض. كما تنادي بتحرير السود وكسر حاجز الوصم في المتاحف وكافة المؤسسات الثقافية.

المصدر : الجزيرة