لجنة الدراما في مصر.. أن تصنع الدولة الفن وتحاكمه

مسلسل "حدوتة مرة" حاز على الكثير من المخالفات (مواقع التواصل)
مسلسل "حدوتة مرة" حاز على الكثير من المخالفات (مواقع التواصل)

حسام فهمي-القاهرة

في فبراير/شباط 2018، ومن خلال مكالمة هاتفية مع المذيع وائل الإبراشي، صرّح النجم المصري الكبير "عادل إمام" بما يمكننا وصفه بأنه أحد أقوى تصريحاته طوال مسيرته الفنية وأكثرها معارضة للسلطة، حيث وصف لجنة الدراما المنبثقة عن المجلس الأعلى للإعلام في مصر بأنها لجنة فاشية.

تمادى الزعيم فوصف عمل هذه اللجنة في تتبع الأعمال الفنية والتدخل فيها بالحذف أو بالمنع بأنه "كلام فارغ"، وفي نهاية المكالمة أطلق نبوءته بأن مَن وراء هذه اللجان وما شابهها سيجنون على الفن في مصر.

الآن ونحن في غمار رمضان 2019 تتحقق نبوءة عادل إمام، حيث نشهد ما يمكننا اعتباره أسوأ المواسم الدرامية الرمضانية منذ سنين، صحيح أن لجنة الدراما التي انتقدها عادل إمام وكان يرأسها المخرج محمد فاضل قد استقالت، ولكننا في العام الجاري شهدنا تحالفا بين لجنة دراما أكثر فاشية وجهة إنتاجية احتكرت الإنتاج الفني والعرض التلفزيوني.

اليوم نتتبع معكم عمل لجنة الدراما في مصر، ونحلل العلاقة بينه وبين احتكار الشاشات المصرية من قبل شركة إعلام المصريين، لنصل في النهاية للإجابة عن سؤال مهم ألا وهو: هل نشهد نهاية عصر دراما رمضان الذي عهدناه؟

اللغة العربية والقيم المصرية: دراما عالم سمسم
ملاحظات لجنة الرصد المنبثقة عن لجنة الدراما المنبثقة عن المجلس الأعلى للإعلام، لا يمكن أخذها على محمل الجد بأي حال، فهي تبدو وكأنها تقرأ الأعمال بغرض تدريسها لأطفال دون السادسة.

فعلى سبيل الذكر، جاءت إحدى ملاحظات هذه اللجنة في تقريرها الصادر يوم الاثنين 13 مايو/أيار عما أسمته اللجنة بمخالفة "عدم احترام اللغة العربية" وذلك في مسلسل "زي الشمس"، حيث قالت البطلة كلمة إنجليزية هي (case) بدلا من أن تقول "حالة".

هنا تبدو قراءة اللجنة سطحية ومثيرة للضحك وغير مدركة لواقع يتحدث فيه العديد من المصريين بألفاظ غربية وسط حديثهم المعتاد.

تستمر الملاحظات الغرائبية في التقرير نفسه، حينما توضح اللجنة أن المسلسل قد ارتكب مخالفة "وضع الطفل في محل مسؤولية أكبر منه"، وذلك نتيجة أن أحد مشاهد المسلسل قد تضمنت إخبار الطفل بوفاة أمه. 

هنا يمكننا تفهم الملاحظة إن كانت في سياق التحليل النفسي للمحتوى الفني وما يجب علينا فعله في مثل هذه المواقف في الواقع، لكن الأمر يصبح مثيرا للدهشة حينما نضعه في خانة المخالفات، والتي تستوجب -طبقا لمعايير المجلس الأعلى للإعلام- عقوبات تتراوح بين الغرامة والحذف.

وإذا ابتعدنا قليلا عن ملاحظات الطفولة واللغة العربية، سنجد أن أغلب المخالفات التي رصدتها اللجنة كانت إما استخدام ألفاظ تجدها اللجنة متدنية أو إيحاءات تعتبرها اللجنة جنسية. وقد حاز مسلسلا "حدوتة مرة" لغادة عبد الرازق، و"قابيل" لأمينة خليل ومحمد فراج ومحمد ممدوح؛ على نصيب الأسد من هذه المخالفات.

وبشكل عام، إذا ما راجعنا بيانات لجنة الدراما الصادرة حتى اليوم فسنجد أن اللجنة تبدو كأنها تريد أن تعود بالزمن، وأن تمنع الواقع الذي نعيشه من الظهور على الشاشة، وأن تستبدله بنسخة وردية وعظية تمجد الدولة وقيمها ومؤسساتها.

الدولة تحتكر وتحاكم
العامل الآخر في معادلة الحكم الأخلاقي على محتوى دراما هذا العام، هو أن الدولة بشحمها ولحمها هي التي صنعت هذه الدراما، وذلك من خلال شركة "سينرجي" التي يترأسها تامر مرسي، والتي احتكرت إنتاج الغالبية العظمى من دراما رمضان، ثم احتكرت حقوق العرض أيضا من خلال امتلاك وإدارة شركة إعلام المصريين، التي يشغل تامر مرسي أيضا منصب العضو المنتدب فيها لقنوات أون والحياة وسي بي سي ودي إم سي، وبهذا تصبح الفضائيات بكامل محتواها الرمضاني تحت إمرة شخص واحد.

بالطبع يعلم الجميع أن تامر مرسي وإعلام المصريين ما هما إلا واجهة لشركة "إيغل كابيتل" المملوكة لأجهزة أمنية مصرية، وهنا يبدو الأمر غير مفهوم! حيث تنتج الدولة المحتوى الذي تريده، وتستبعد من هم خارج سيطرتها، كما حدث مع يحيى الفخراني وعادل إمام وشركة العدل غروب وبطلاتها نيللي كريم ويسرا، ثم يخرج من عباءة الدولة أيضا لجنة لتقيم هذا المحتوى وتعرضه للغرامة والحذف.

انسحاب صبحي وبداية النهاية
ما يتذكره كثيرون أن الممثل المصري محمد صبحي كان هو المرشح لرئاسة لجنة الدراما خلال هذا العام، وقد تعرض الرجل للسخرية والنقد حتى انسحب في النهاية، لكن تصريحاته التي ذكر من خلالها أسباب الانسحاب لم تتم قراءتها بالجدية الكافية.

تصريحات صبحي جاءت لتؤكد التناقض الذي ذكرناه مسبقا في هذا المقال، حيث ذكر الرجل في حواره مع جريدة "المصري اليوم" في أبريل/نيسان الماضي أن انسحابه جاء نتيجة سببين: الأول هو عدم إعلان المجلس الأعلى للإعلام أن عمل اللجنة ليس رقابيا ولكنه فقط للحفاظ على شرف المهنة، أما الثاني -وهو الأهم- فهو عدم إعلان المجلس عن رفضه لاحتكار الدولة للفن والإعلام، وهو ما طالب به صبحي قبل بدء عمله.

وتساءل صبحي في نفس الحوار المنشور في "المصري اليوم": كيف لشركة إنتاج واحدة ومنتج واحد إنتاج 15 مسلسلا، بالإضافة لامتلاكه الوكالات الإعلانية وشاشات العرض والتلفزيون المصري أيضا، وكيف يمكن لأي منتج أو فنان آخر أن يعمل من خارج هذا الكيان.

انسحاب صبحي جاء متفقا -وإن كان متأخرا- مع تصريحات عادل إمام العام الماضي، ليحذر الرجلان من بداية النهاية للدراما المصرية، نتيجة تحالف الاحتكار ولجان الرقابة الفاشية.

المصدر : الجزيرة