عـاجـل: الحكومة اليمنية تتهم قيادة القوات الإماراتية بمحاولة اقتحام مدينة عتق في شبوة رغم جهود الرياض لإنهاء الأزمة

أولاد المختار.. التغريبة بنسختها الفلسطينية

مشهد من المسلسل (الجزيرة)
مشهد من المسلسل (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

 

"كانت على كفّ الأمان تميسُ أرضٌ عامرهْ، بالحبّ والبُسطاءِ من أمَدِ السنين الغابرهْ، حتى أتتها من جهاتِ الغرب ريحٌ غادرهْ، عصفتْ بحاضرة السلامِ، فأيُّ أيدٍ جائرهْ"، باللحن والمعنى تسقط كلمات شارة مسلسل "أولاد المختار" على الأرض واقعا، وتختزل حكاية كاملة لشعب هُجِّر من أرضه قسرا وتحت حراب المحتل وقمعه، فصارت مأساته قصصا تروى.

يعالج "أولاد المختار" للكاتب الأردني هاشم كفاوين والمخرج الفلسطيني الشاب بشار النجار باعتباره أول عمل درامي فلسطيني -نوعا وشكلا ومضمونا- قضية شعب مقهور واجه احتلالات كثيرة وعانى ويلاتها، لينفرد عن مسلسل "التغريبة الفلسطينية" بتفاصيله الدقيقة والمشوقة.

في "خربة اللوز" وهي قرية مقدسية هجرت عام 1948 تحت أزيز رصاص العصابات الصهيونية تدور أحداث المسلسل، ثم ما تلبث أن تنتقل لقرية أخرى اسمها "زُهرة"، لكن كلا المكانين يقعان داخل قرية رابا الفلسطينية بمدينة جنين شمال الضفة الغربية حيث أعد العمل وتم تصويره.

مشهد يظهر شبانا بدور جنود اسرائيليين يعتقلون شابا فلسطينيا (الجزيرة)

وبمهاجمة الثوار الفلسطينيين لأحد مقرات الجيش الإنجليزي (الانتداب)، حيث يُدخر السلاح ويقدم للعصابات الصهيونية (الهاجاناه) تبدأ أحداث المسلسل وتتزامن مع حقبة النكبة عام 1948، ثم تتلوها النكسة عام 1967 وسقوط الضفة الغربية والهزائم التي حلت بالجيوش العربية أمام إسرائيل.

ويلي ذلك المرحلة الثالثة التي استمرت حتى 1978، وهي مرحلة بحث دولة الاحتلال الإسرائيلي عن "كواشين" (أوراق ثبوتية) للأرض ليسهل عليها تهويدها.

فلسطينية المكان والزمان
ورغم تشابه الأحداث ولا سيما ببدايتها فإن العمل بحجمه وبإمكانياته "يُظلم وينقص حقه" وفق المخرج النجار إذا ما قورن بالتغريبة الفلسطينية، خاصة بما يتعلق بتكاليف الإنتاج ومدة العمل وحيثياته، مثل المكان والشخوص وفترة الإعداد، وحتى طول مدته الزمنية (45 دقيقة للحلقة)، ويقول النجار: إن عمله تفرَّد بتفاصيل حياة الفلسطينيين رغم قلة الحلقات التي استعرض بها النكبة.

وبمكان التصوير أودع النجار جمالا آخر للعمل، فالقرية بمبانيها القديمة وأخرى شيدها الفنانون بأنفسهم بما يتناسب والأحداث المركبة فيه، واستخدمت ملابس الفلسطينيين في ذلك الحين بكل مستلزماتها وإكسسواراتها.

المسلسل صور بقرية فلسطينية لمحاكاة الواقع الذي عاشه الفلسطينيون قبل النكبة (الجزيرة)

أما العامل البشري فكان أكثر قربا من العمل، إذ أبدع الفنانون رغم حداثة بعضهم في التمثيل بإسقاط الفلسطينية بلهجتها ومصطلحاتها عليه، متسلحين بمعرفتهم الجيدة بشمولية العمل وتفاصيله.

وهنا برزت بشكل كبير "العفوية والإحساس بالدور" الذي قام به كل فنان، ويقول النجار إن أكثر من خمسين فنانا، بينهم أطفال ومن مختلف المناطق الفلسطينية عكسوا واقعا معاشا بالنسبة لهم، وهو ما زاد تميز العمل وإبداعه "كوننا انطلقنا من عاطفتنا وإحساسنا تجاه قضيتنا ووطننا".

وعلى مدى عامين من الزمن استمر إعداد العمل الذي رُفض عرضه سابقا على قنوات محلية وعربية "لمعارضته سياسة تلك القنوات" حسب النجار، ويضيف "أما اليوم فهو يعرض على عدة فضائيات عربية وفلسطينية مرموقة".

جدلية الثائر وغيره
وأولاد المختار، هم أبناء الشاب إبراهيم الحج عطية الذي هاجم مخازن الإنجليز وسطا على أسلحتها ببداية العمل، والذين أنجبهم على كبر بعدما صار مختارا لقريته، ويجسد ذلك الحياة الإنسانية للرجل، ومعنويا يتبنى المختار أولادا آخرين، هم الثوار الذين ضمهم لحضنه وخاض بهم عمليات عدة إبان النكسة.

العمل تناول الحياة الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين (الجزيرة)


وهنا يصير الجدل بين هؤلاء الأبناء ممن يفتدون الوطن بأرواحهم، وممن يفضلون "التعايش" مع المحتل الإسرائيلي من بين أبنائه، من صُلبه.

وبين هذا وذلك يظل الثائر إبراهيم الحج عطية مطلوبا للاحتلال الذي لا يدخر جهدا وهو يبحث عنه، فقد كان تسبب بإحدى هجماته السابقة بإعاقة لأحد ضباط العصابات الصهيونية، لينتهي العمل عند خطين، يكون أحدهما برحيل الحج عطية لغزة وأحد أبنائه للبنان.

ثمة ما ميَّز العمل وجعله رائدا، فإضافة للقرية ومنازلها الحجرية المسورة بالحواكير (الحدائق) وحزم الحطب كان اللباس سيد الموقف، فالقائمون على العمل استطاعوا تنسيق الأحداث بما يتناسب والعمل نفسه.

فنانون في مسلسل "أولاد المختار" يعدون أنفسهم لتقديم أدوارهم (الجزيرة)


ميزات العمل
يقول عوني الظاهر -وهو خازن تراث فلسطيني- إنه رفد العمل بكل احتياجاته من الملابس والإكسسوارات "ووفرت أكثر من أربعين دماية وقمبازا (أزياء تراثية) للرجال إضافة لعشرات قطع الملابس الخاصة بالنساء والأدوات الخاصة باستخدامات الحياة اليومية المتعلقة بالدواب والدكان والمدرسة".

ويروي الظاهر الذي لعب أيضا دور "حكيم القرية" كيف أضافت تلك المستلزمات معنى لجوهر العمل وحاكت لحد كبير الواقع المعاش للحقب المقصودة، ويقول: "قمت كذلك باختيار الملابس المناسبة للفنانين والكاريزما الملائمة أيضا".

وفي القفلة الأخيرة "لأولاد المختار" تعود أغنية الشارة لتذكرنا أن "هذي حكايةُ موطنٍ، في كل سَطْر ذاكرهْ، سرق الغريبُ فصولَها بجريمة ومؤامرهْ، فإذا رفوفُ طيورِها بين الخيامِ مُهاجرهْ، لكنْ على المفتاح عضّتْ رغْم نزف الخاصرهْ"، وكأنها تنكأ الجرح ثانية لتبقى ذكراه قائمة.

المصدر : الجزيرة