لماذا ينتحر المبدعون؟.. علاقة الفن بالاضطرابات النفسية

إدوارد مونش: خوفي من الحياة ضرورة بالنسبة لي، وكذلك مرضي، لا يمكن تمييزهما عني، وذهابهما سيدمرني (مواقع التواصل)
إدوارد مونش: خوفي من الحياة ضرورة بالنسبة لي، وكذلك مرضي، لا يمكن تمييزهما عني، وذهابهما سيدمرني (مواقع التواصل)

سارة عابدين

كثيرا ما يرتبط الإبداع بالاضطرابات النفسية والعقلية، حيث إن عددا من أشهر الفنانين على مدار التاريخ وحتى وقتنا الحالي يعانون من الاضطرابات النفسية المختلفة، كالاكتئاب والهوس والفصام، لدرجات قد تحثهم على إنهاء حياتهم.

ربما يرتبط الأمر بفكرة التضحية بالسعادة والرفاهية من أجل الفن، ثم تعزز خيارات الفنان بعد ذلك تلك الفكرة، حتى إنه يخشى أن يجد طرقا للخلاص أو الاستمتاع حتى لا يفقد فنه، لاعتقاده الدائم أن الفن والإبداع هما وسيلته لخلق عالم بديل عن العالم الحقيقي؛ لكن عندما يتوقف الفن عن إعطاء المعنى والهدف للحياة، يحدث أن تضطرب المشاعر والأفكار، ويمكن أن تكون تلك اللحظات هي التي تؤدي بالمبدع إلى إنهاء حياته.

المثال الأكثر حدة في الفن الحديث هو فنسنت فان غوخ (1853-1890)، حين قطع أذنه بعد مشاجرة مع صديقه بول غوغان، وانتحر بعدها بعامين في 1890.

كتب فان غوخ في واحدة من رسائله إلى أخيه ثيو يقول "لا يمكنني أن أصف ما يحدث معي تماما. تهاجمني بين الحين والآخر نوبات من القلق دون سبب، وشعور بالفراغ والإرهاق، وفي بعض الأحيان نوبات من الحزن والندم الشديد".

صورة فان غوخ (مواقع التواصل)

الاضطرابات النفسية كهوية شخصية
يمكن أن تصبح المشاكل النفسية والعقلية جزءا من الهوية الشخصية للفنانين، إذا واجهوا احتمالات التحسن فقد يتساءلون عن هوياتهم، أو كينونتهم من دون مشاكلهم، وربما يخشون أن يتلاشى الإبداع مع تلاشي الألم النفسي.

كتب إدوارد مونش في مذكراته "خوفي من الحياة ضرورة بالنسبة لي، وكذلك مرضي، لا يمكن تمييزهما  عني، وذهابهما سيدمرني"، بمعنى أن رغبة المبدع في أن يكون عميقا ومؤثرا وفعالا في مجاله، تفوق رغبته في الحصول على المساندة، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تدهور صحته العقلية.

لكن لا يمكن تجاهل دور العامل الوراثي في بعض الأحيان، لأن عائلة مونش كانت تملك بالفعل تاريخا طويلا من المرض النفسي، وعانى والده من الاكتئاب، وأخته من الفصام، بينما أصيب مونش نفسه بانهيار عصبي حاد عام 1908، تفاقم بسبب إدمان الخمور، حتى أودع مصحة نفسية في الدانمارك. 

الفن كطريقة للتواصل والتعبير
بدأ النحات اليوناني يانوليس تشاليباس (Yannoulis Chalepas) مسيرته الفنية في أثينا بعد دراسته للفن بميونيخ. في عام 1878 بدأت أعراض المرض العقلي بالظهور عليه، وتم تشخيص مرضه بالخرف، بالرغم من سنه الذي لم يتجاوز 36 عاما فقط.

اعتقدت والدته أن الفن مسؤول عن تدهور حالته العقلية، وأبعدته عن النحت، لكن بعد وفاتها في عام 1916، عاد مجددا للنحت. يتفق مؤرخو الفن أن أعماله في هذه الفترة كانت أكثر تحررا وبعيدة عن القواعد الكلاسيكية، بحيث اعتبر الفن شكلا من أشكال تعزيز الإنتاج.

لذا يمكن القول إن الذين يعانون من الاضطرابات العقلية أو النفسية، ينجذبون بشكل ما إلى الإبداع لأنه يسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم بطرق أخرى غير الحديث المباشر الذي يكون أصعب في أحوالهم، بالإضافة إلى أن التعبير عن طريق الفن والكتابة يعتبر شكلا من العلاج التكميلي غير المباشر. 

تمثال المرأة النائمة لليوناني يانوليس تشاليباس (مواقع التواصل)

طبيعة حياة المبدعين
الرابط المباشر بين الإبداع والاضطرابات ليس هو الأكثر أهمية، وبالرغم من العلاقة الشائعة بينهم فإن الأمر يتعلق بطبيعة حياة المبدع الذي ربما يفضل الحياة الليلية التي تكون أكثر إلهاما وهدوءا، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى اضطرابات في الأجهزة الفسيولوجية والنفسية بسبب انعدام الحياة النهارية والعلاقات الاجتماعية. 

يعتقد علماء النفس أن العقل يجدد نفسه أثناء النوم الليلي، ويحذف كل العناصر والأفكار غير المهمة، لذلك فإن بقاء الشخص مستيقظا طوال الليل يؤدي إلى إفساد الجسم والعقل، وهناك صلة محتملة بين اضطرابات النوم والتغيرات المزاجية الحادة ونوبات الاكتئاب، لذلك يمكن أن يؤذي أسلوب الحياة غير الصحي العقل والمزاج على المدى الطويل.

تعاطي المخدرات
هناك أيضا إدمان وتعاطي المخدرات المنتشر بين أوساط الفنانين والمبدعين بوصفه عاملا يحث على الإبداع وتدفق الإلهام، لكنه على العكس يؤدي إلى تدهور الحالة العقلية بعدما يتحول المبدع من مرحلة التعاطي والتجريب إلى مرحلة الإدمان، التي تمنعه من التفكير المرتب والقدرة على تنقيح الأفكار.

بالإضافة إلى كل ما سبق، لا يمكن إنكار أهمية الاعتقاد الشائع بالربط بين الإبداع والاضطراب النفسي، والذي دفع بعض المبدعين إلى وضع أنفسهم داخل ذلك الإطار، تماشيا مع تلك الصورة الراسخة في الأذهان، لذا يجب التأكيد على أن الإبداع لا يولد الاكتئاب ولا الانتحار، وليس كل شخص مبدع يجب أن يعاني من الأمراض النفسية أو العقلية، لكن ربما تؤدي الرغبة في صنع أسطورة شخصية تشبه أساطير وحكايات الفنانين السابقين، إلى التأكيد على المرض النفسي والخوف من تلاشي الإبداع مع تلاشيه.

المصدر : الجزيرة