رواد الفن بالمغرب.. قصة إهمال الدولة لنجومها الأوائل

رواد الفن بالمغرب.. قصة إهمال الدولة لنجومها الأوائل

وجدت الركراكي نفسها بعد ستة عقود من التمثيل بدون حماية اجتماعية أو رعاية صحية (الجزيرة)
وجدت الركراكي نفسها بعد ستة عقود من التمثيل بدون حماية اجتماعية أو رعاية صحية (الجزيرة)
سناء القويطي-الرباط

تعاطف المغاربة بشكل واسع مع الممثلة المغربية فاطمة الركراكي، بعد آخر ظهور إعلامي لها في مواقع إلكترونية، وبدت في وضع صحي متدهور وحالة ضعف ووهن أثارت تساؤلات موجعة حول الوضعية الاجتماعية للفنانين الرواد بعد انطفاء أضواء الشهرة وبلوغهم سن الشيخوخة.

وبدأت الركراكي مشوارها الفني عام 1957، في وقت كانت فيه الأسر المحافظة تمنع بناتها من اقتحام هذا المجال، لكنها تحدت المألوف، وبصمت أول ظهور فني لها مع فرقة "التجديد المسرحي". وفي الستينيات مثلت أول بطولة في السينما مع الممثل الراحل الطيب الصديقي بالفيلم القصير "من أجل لقمة عيش".

وبعد ستة عقود من العطاء الفني، ومسار حافل بأعمال تلفزيونية وسينمائية ومسرحية وإذاعية، وجدت الركراكي نفسها بدون حماية اجتماعية أو رعاية صحية كافية.

وكما انصرفت عنها الكاميرا، انصرف أيضا رفقاء الدرب واكتشفت الوجه القاسي للحياة.

وبعد اللقاء الإعلامي والتعاطف الإنساني مع وضعها، قررت وزارة الثقافة نقل الركراكي إلى المستشفى والتكفل بعلاجها، وأعلنت وسائل إعلام عزم عدد من الفاعلين بالميدان الفني إقامة حفل خيري عنوانه "ليلة الوفاء للفنانة فاطمة الركراكي" سيكون بمثابة عربون محبة واعتراف بمسارها الحافل وسيتم تخصيص مداخيله لرعايتها الصحية.

أيقونة تذوي
القصة نفسها عاشتها وتعيشها أيقونة الأغنية الشعبية الجبلية شامة الزاز التي ساهمت بصوتها الصافي والمميز في نشر العيطة الجبلية، ووجدت نفسها وحيدة غير قادرة على مصاريف العلاج بعدما أصيبت بانسداد في أحد صمامات القلب، مما ألزمها الفراش ومنعها من الغناء.

في لقاءات إعلامية متفرقة تحدثت الزاز الأرملة عن وضعها الصحي المزري وعن ظروف حياتها في قريتها الروف ضواحي تاونات، وتجاوب مع تلك الشكوى أحد المحسنين الذي تكفل بمصاريف علاجها الباهظة في المستشفى العسكري بالرباط مفضلا عدم الكشف عن هويته وصفته.

وخلال زيارة الجزيرة نت لها حول مسارها الفني، بدت الزاز تعيسة بسبب ما آل إليه وضعها الاجتماعي، تردد كلمات عتاب لا تدري لمن توجهها.

فبعد مئات الأغاني التي نظمت كلماتها وغنتها، وجدت نفسها "على باب الله" لا تملك شيئا، فهي ظلت تعيش في بيتها الطيني في قريتها حيث لا ماء ولا كهرباء.

كانت بغنائها الشعبي تنقل قصص الفتيات الجبليات وهمومهن وأفراحهن، ونهاية كل مهرجان أو حفل تعود إلى بيتها البسيط، تضع جانبا لباس الفنانة وترتدي لباس ربة البيت والأم، لكن المرض الذي أنهك صحتها أبعدها عن المسارح وصارت بلا مورد رزق وبلا تقاعد يعينها على عيش شيخوخة كريمة.

أنهك المرض صحة الزاز وأبعدها عن المسارح وصارت بلا مورد رزق (الجزيرة)

الملك لير يعاتب الحكومات
حظي عبد الله العمراني باحترام كبير طيلة مساره الفني الذي استمر ستة عقود، وانتهى بوفاته قبل أيام بعد معاناة مع المرض.

وتنوعت أعماله بين السينما والتلفزيون والمسرح، وتجاوز صيته الوطن بعد مشاركته في أعمال عربية وعالمية مثل "الرسالة" لمصطفى العقاد و"لورنس العرب" لديفد لاين، و"مريم الناصرية" لجان دولانوي، ومسلسلات "صقر قريش" لحاتم علي، و "مواكب النصر" لأحمد خيضر، وكان آخر أعماله فيلم "عودة الملك لير" للمخرج المغربي الشاب هشام الوالي.

كان أداء العمراني يتسم بالبساطة والعمق والاحترافية، مما جعله يحظى بتكريمات وجوائز وطنية ودولية خلال مشواره الفني، لكنه اضطر في أيامه الأخيرة لبيع سيارته من أجل أداء تكاليف عملية جراحية دقيقة على الرأس.

صارع المرض إلى آخر لحظة من حياته بشموخ وكبرياء، وقبل أن يودع الحياة كانت آخر رسائله وكلماته لجمهوره عبر فيديو تأسف فيه لأن "الفنان عندما يكون معافى الكل يتسابق للظهور معه، وإن مسه أي سوء غاب عنه الكثير منهم وظل القليل يسأل عنه وعن أحواله". وعاتب بشكل صريح الحكومات لكونها لم تعط الاعتبار الكافي للفنان ولم تنزله المكان المناسب الذي يستحقه.

آليات لحفظ الكرامة
لا تنتهي لائحة الفنانين الرواد الذين أفنوا حياتهم في إسعاد الجمهور وتقديم أعمال فنية حتى صاروا وجوها مألوفة ومعروفة، لكنهم بعد تقدمهم في السن اضطروا للخروج في وسائل الإعلام يشتكون معاناتهم بسبب ظروف عيشهم المزرية، وكفاحهم المرير من أجل سداد إيجار بيوتهم أو تكاليف علاجهم، ويتأسفون لأن أعين المخرجين والمنتجين لم تعد تراهم.

ويعترف مسعود بوحسين رئيس نقابة مهني الفنون الدرامية بالمعاناة التي يعيشها جيل الفنانين الرواد، ويقول في حديث مع الجزيرة نت إن النقابة ترافع منذ سنوات من أجل تغيير هذا الوضع وخلق آليات تحفظ كرامة الفنان.

ويوضح أن فنانين كبارا وجدوا أنفسهم بعد سنوات من الإبداع والعطاء الفني في دائرة التهميش والحاجة، وهي صورة لا تليق -بحسبه- بالصورة الحضارية للمغرب، لذلك يقترح على الدولة إيجاد حل عاجل واستثنائي بإلحاق هؤلاء الرواد بأحد صناديق الحماية الاجتماعية خاصة وأن عددهم ليس بالكبير.

في المقابل، يؤكد رئيس النقابة ضرورة إيجاد حل شامل لوضعية الفنان حتى لا تتكرر نفس القصص وتتراكم ملفات الهشاشة الاجتماعية مستقبلا، وتحدث عن مقترحات قدموها للجهات المسؤولة من أجل وضع نظام للحماية الاجتماعية للفنانين وإنشاء صندوق تكون مصادر تمويله واضحة يدعم الفنانين أثناء انقطاعهم عن العمل.

ويقول بوحسين إن الفن في المغرب والعالم مهنة غير منتظمة، لذلك وضعت عدد من الدول آليات لحماية الفنانين انطلاقا من هذه الخصوصية، مشيرا إلى أن عددا من القوانين التنظيمية المتعلقة بوضعية الفنان المغربي ما زالت قيد النقاش في البرلمان، وهي قوانين من شأنها حماية هذه الفئة وحفظ كرامتها.

المصدر : الجزيرة