"مش نقرة ودحديرة".. كوميديا البحث عن الرئيس مرسي

الحلقات تحفل بظلال لأعمال فنية وإسقاطات سياسية واستعارات لأداء ممثلين أكثر شهرة (مواقع التواصل)
الحلقات تحفل بظلال لأعمال فنية وإسقاطات سياسية واستعارات لأداء ممثلين أكثر شهرة (مواقع التواصل)

أسامة صفار

يحسب لفريق عمل سيت.كوم "مش نُقرة ودُحديرة" (بالعامية المصرية) الذي يعرض على قناة "مكملين"-التي تبث من تركيا- حاليا، محاولاتهم تقديم أعمال تلفزيونية تلبي حاجة الجمهور لنوع مختلف عن تلك الأعمال التي تقدم على الشاشات المصرية، خاصة بعد سيطرة السلطة على المحتوى الدرامي بالكامل وتقديم أعمال لا تعبر عن الجمهور أو صانعي الأعمال، ولكنها تنتمي بالضرورة للسلطة الحاكمة، ومن ثم أصبح تصدي عشاق الدراما والعاملين بها ضرورة حقيقية وملحة.

لكن تبقى الأسئلة الصعبة المتعلقة بعنصرين أساسيين وهما تلك الحرفية العالية التي تميز الدراما المصرية، نتيجة لتاريخ طويل في صناعة الصورة، والثاني هو اختبار القدرة على عدم التحول إلى صورة للخصم الدرامي السياسي.  

وفي مقابل دراما تحولت إلى صوت للدعاية السياسية الفجة والمباشرة والمزيفة للحقائق ينبغي أن يكون صانع الفن البديل حريصا على العمل باعتباره فنيا وليس منشورا سياسيا، وحين ينجح العمل فنيا، سيكون الحصاد جامعا بين السياسي والفني.

ويطرح صناع سيت.كوم "مش نقرة ودحديرة" فكرة البحث عن الرئيس المحبوس محمد مرسي بعد انقلاب عسكري دفع البلاد والعباد إلى أزمة لا فكاك منها إلا بعودته، خاصة أن المنقلب الذي حل مكانه فاشل تماما، واختار القائمون على العمل فريقا من الباحثين عن "الرئيس" يستدعي رغم الفوارق الكبيرة صورة "المغامرين الخمسة"، وهي سلسلة قصص مغامرات بوليسية قام بتأليفها الكاتب المصري محمود سالم.

ويهدف عرض "سيت.كوم" -"مش نقرة ودحديرة"- من بطولة الفنانين محمد شومان وهشام عبد الله على قناة مكملين، إلى مواكبة حالة الترفيه الرمضاني عن الصائمين، وذلك طبقا للتقاليد الرمضانية المصرية التي دأبت في الأعوام العشرين الأخيرة على تحويل الشهر الكريم إلى "حالة ترفيهية" عبر الشاشة الصغيرة.  

ويدور مضمون الحلقات حول البحث عن "شخص محبوس ترك رسالة استغاثة قبل حبسه، فهو الوحيد القادر على إصلاح حال البلد"، وذلك من قبل مجموعة تجلس في مقهى منذ خمسة أعوام ولا تجد ما تفعله ولا تستطيع دفع الحساب ولا تجد ما تقتات به أيضا.  

تحفل الحلقات بظلال لأعمال فنية وإسقاطات سياسية واستعارات لأداء ممثلين أكثر شهرة، ما يحولها إلى كائن غير مستقل الملامح من حيث النص والأداء التمثيلي، لكن يبقى الإسقاط السياسي بطلا من زوايا عدة.

لا يحتاج الأمر لكثير من البحث لتمييز الإشارة إلى الرئيس المحبوس محمد مرسي باعتباره الخلاص للشعب الذي يعاني من الانفصام في الداخل والغربة في الخارج، وبين تفاصيل تفتقد إلى الكوميديا بالفعل وتفيض بالافتعال فإن السقوط في المباشرة هو الثابت الوحيد بالعمل، حتى وإن اتكأ صناع العمل من البداية على الرؤية "البريخيتية" (مخاطبة الجمهور بشكل مباشر) في كسر الحائط الرابع، والتي قدمت رؤية للمسرح تكتسب حيويتها من التفاعل الحي مع ممثلين من لحم ودم، ولم تقدم الدراما أو الكوميديا المعلبة داخل صندوق إلكتروني هو التلفزيون.

أداء كاريكاتيري
خرج محمد شومان من الوسط الفني المصري في لحظة فاصلة حين هاجر بعد انقلاب يوليو 2013، وكان خلالها مؤهلا لمكانة جيدة، خاصة في ظل نقص هذا "الكاراكتر" الذي شغله لفترة حسن حسني ومساعده لطفي لبيب، لكن كبر سن الممثلين المخضرمين حال دون استمرارهما، وبالإضافة لمرحلته العمرية فإن شومان يملك موهبة حقيقية وخفة روح وقبول جيدين، اكتشفهما نجم بحجم عادل إمام ووظفهما في فيلم "مرجان أحمد مرجان"، بالاضافة إلى ما قدمه شومان من أعمال.  

وتبدو تلك القفزة "في الظلام" من الوسط الفني بين أقرانه إلى مساحة مكانية أخرى بمثابة انتحار مهني كامل، لكن شومان العنيد يواجه هذا الاحتمال بتقديم أعمال فنية والبحث عن إمكانية إنتاج دائما، لكنه بين تلك المحاولات المستمرة يعيش إحساسين.

أولهما يتعلق بكونه محاطا بمجموعة أقل احترافا فيضطر لتقديم أكثر مما يتطلبه دوره في العمل، وثانيهما أنه نجم العمل وهو ما يدفع به إلى مساحات من الأداء يختفي خلالها الخط الفاصل بين الممثل والدور نفسه، فيشعر المشاهد كأن ثمة حوارا مباشرا من شومان نفسه وليس من شخصية في سيت.كوم.

أما هشام عبد الله الذي لم تختبره الكوميديا كثيرا عبر تاريخه في مصر، فقد كشف بأدائه عن ضعف دور المخرج وعدم توجيهه له، إذ أجهد هشام ملامح وجهه وحنجرته ليقدم أداء "كاريكاتيريا" على طريقة الرسم على الملامح، متناسيا تماما أن الكاريكاتير في الدراما ينبع من المفارقة وليس من مط الشفاه.

وأظهر كل من أحمد الرصد وأسمة صلاح ظلالا واضحة لممثلين آخرين، فالأول يتقمص تماما الممثل المصري أحمد فهمي، بينما اختار الثاني شخصية الممثل أحمد مكي في شخصيته الشهيرة "اتش دبور" التي قدمها في عدد من الأفلام بينها "مرجان أحمد مرجان" أيضا.

محطات
ويبحث الفريق أبطال العمل عن شخص ترك رسالة استغاثة مسجلة ولكنها غير مكتملة، ولا يملك من المعلومات سوى لقب لعائلة، فينطلق للبحث عن الأشخاص الذين يحملون اللقب ويلتقي بهم للتعرف إلى الرجل، وعلى التوازي تقدم الشخصية النسائية الوحيدة في العمل توثيقا أو شهادات للمستقبل وتسجلها للأجيال المقبلة.

وخلال تجارب البحث والتوثيق من قِبَل الفريق والصحفية يلتقيان الشرطة (هشام عبد الله وعرفات محمد) لنجد أنفسنا أمام مواقف من الصعب متابعتها، حيث تفتقد للمنطق والإقناع وللبناء الفني المحكم، والمعروف أنه حتى في مسرح العبث ينبغي أن تكون هناك قواعد حاكمة أو أعراف تمثل إشارات متفقا عليها بين المشاهد والمبدع، يتم من خلالها فهم العمل للتفاعل معه.

والمقصود هنا تلك الأعراف والقوانين التي يحددها المبدع نفسه ويلتزم بها خلال العمل على ألا تنتمي تلك الإشارات إلى مفاهيم خارج العمل نفسه، وهو ما لم يتحقق في البناء الذي بدا دون قوام تقريبا.  

وبين محطة وأخرى تفاجئنا ريم جبنون بمقابلة يتم تصويرها للثوثيق، ولعل مقابلة الحلقة الثالثة عشرة هي الأكثر لفتا للأنظار بسؤالها الأساسي حول "ما الذي يدفع الناس في مصر للجنون" لتأتي الإجابة من الدكتور، لأنهم أيدوا الانقلاب وصدقوه وهكذا خرج الرجل من العمل التلفزيوني إلى خطاب تبكيتي مباشر لشعب كامل صورته الدعاية السياسية داعما لانقلاب وبدلا من الترفيه والضحك والاستمتاع، تقرر تبكيت الجمهور.

المصدر : الجزيرة