كايروكي.. صوت الشباب المصري بين السياسة والمهرجانات

أغاني فريق كايروكي تخاطب وجدان الشباب وقضاياهم وتعبر عن أحلامهم وإحباطاتهم (مواقع التواصل)
أغاني فريق كايروكي تخاطب وجدان الشباب وقضاياهم وتعبر عن أحلامهم وإحباطاتهم (مواقع التواصل)

علاء عبد الرازق-القاهرة

"الخبر الوحش أن ألبومنا لأول مرة مش هينزل في الأسواق، أما الخبر الحلو فهو إننا مكملين وهتفضل أغانينا حرة وهتكون متوفرة على الإنترنت"، بهذه الكلمات أعلنت فرقة كايروكي عن ملابسات منع ألبومهم "نقطة بيضا" في صيف 2017، بسبب رفض الرقابة المصرية بعض أغاني الألبوم، كما ألغيت الكثير من الحفلات الغنائية للفريق لاحقا.

ووفقا لعضو الفرقة أمير عيد، فقد اعترضت الرقابة على أربع أغانٍ هي "هدنة" و"السكة شمال في شمال" و"ديناصور" و"آخر أغنية"، وكلها أغان تعبر عن واقع الشباب المحبط والمناخ السياسي المظلم، وحظيت بشهرة وانتشار كبيرين لدرجة أن أغنية السكة شمال حققت ما يقرب من 70 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب.

وبعد عدة أشهر -وتحديدا في 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي- وخلال حفل غنائي للفرقة في ساقية الصاوي (مركز ثقافي بالقاهرة)، تعالت هتافات عشرات الشباب يطلبون أغنيتي "ديناصور" و"السكة شمال" من فريقهم المفضل، لكن الفريق تجاهل كل الهتافات واكتفى بغناء ما يضمن أن يمنحهم فرصة أخرى للغناء في هذا المكان، وربما في مصر كلها، فما هو مسموح به على فضاء الإنترنت ليس بالضرورة متاحا في الحفلات الغنائية.

فالفريق الذي تأسس عام 2003، واجه مشاكل عديدة خلال السنوات الأخيرة، من منع حفلاته أو تأجيلها فجأة دون إبداء أسباب مفهومة، أو منع أغانيه ورفض تصريح الرقابة لها، رغم اعتلائه قمة أهم الفرق الغنائية المصرية.

نقطة البداية
خمسة شباب قرروا أن يقدموا لونا جديدا من الغناء في مصر، هم: أمير عيد وشريف هواري وتامر هاشم وشريف مصطفى وآدم الألفي، في وقت كانت فيه الفرق الغنائية المصرية تُعدّ على أصابع اليد الواحدة.

تربوا معا منذ الطفولة في حي المعادي بالقاهرة، نشؤوا كما جيل التسعينيات على أنغام موسيقى الروك والفرق الغنائية الأجنبية وسيطرة ألعاب الفيديو، ثم زحف الإنترنت رويدا رويدا بما أتاحه من خيارات هائلة للاطلاع على الموسيقى الغربية.

في البدء حاولوا غناء موسيقى الروك بالإنجليزية، قبل أن يكتشفوا أن الغناء بالعامية المصرية سيضمن لهم جمهورا أكبر، فواصلوا تجريب أنواع مختلفة من الغناء، لكن شعبيتهم الكبرى تحققت تزامنا مع الحدث الأهم في حياة جيلهم والجيل الذي يسمعهم: ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

صوت الحرية
بينما كانت المحطات الإخبارية العالمية تنقل مشاهد الثورة المصرية في ميدان التحرير، فقد المغني الشاب أمير عيد وظيفته في إحدى القنوات التلفزيونية المصرية بسبب رفضه الذهاب إلى العمل، ليوظف طاقته لكتابة وتلحين أغنية جديدة بعنوان "صوت الحرية"، ثم شارك فريقه وأصدقاؤه في تصوير الأغنية في قلب ميدان التحرير وسط المعتصمين، ليتم إعدادها على وجه السرعة، وتم نشرها على الإنترنت قبل يوم واحد من تنحي مبارك.

كان فريق كايروكي من أوائل من غنوا باسم ثورة يناير، ليعلن الميلاد الحقيقي لفرقة سيكتب لها الارتباط بالشباب وأحلامهم وطموحاتهم خلال السنوات التالية.

وخلال التطورات السياسية المتلاحقة التي تلت ثورة يناير، توالت أغاني كايروكي المعبرة عن رأي قطاع كبير من شباب مصر، وجاءت أغنيتهم "يا الميدان" عقب أحداث محمد محمود الدموية لتعيد المطربة المصرية عايدة الأيوبي للساحة الغنائية، وتذكر الثوار بالميدان وأهداف ثورة يناير.

وبينما كانت مصر تشهد الاستعدادات لأول انتخابات رئاسية تعددية ديمقراطية في تاريخها، وضعت كايروكي مواصفات زعيم مصر المنتظر في أغنيتهم "مطلوب زعيم"، وقرر وزير الإعلام المصري منع بثها.

وعبر أغنية "اثبت مكانك.. هنا عنوانك" وجهت الفرقة نصيحتهم للشباب في ميادين الثورة، وسط تحديات الثورة المضادة والاتهامات التي بدأت تتعالى في الإعلام ضد ثوار يناير ورموزها.

وعقب أيام من الذكرى الدموية لثورة يناير عام 2014 التي سقط فيها عشرات المتظاهرين المعارضين للسيسي بينما كان آلاف من أنصاره يحتفلون في ميدان التحرير، غنت كايروكي "ناس بترقص وناس بتموت".

ومع تصاعد حملات القمع ضد المعارضين، قدم الفريق أغنيته "آخر أغنية" في مارس/آذار 2016، ورفضتها الرقابة المصرية، في عهد قمعت فيه الحريات وصار الغناء للحرية جريمة.

وكالعادة تم بثها على الإنترنت وحققت مشاهدات عالية، ويقول أمير عيد في الأغنية "لو دي آخر أغنية ليا.. هافضل أغني عن الحرية.. قولوا معايا بصوت عالي.. حرية".

شعبية كبيرة
اقتربت كايروكي من عقول الشباب واستحوذت على أذواقهم، بكلمات الأغاني البسيطة والمعاني المباشرة والموسيقى الشرقية التي تمتزج بالغربية تارة أو تحاول الاقتراب من موسيقي المهرجانات، والتنوع الثري في الأغاني ومعانيها، بعيدا عن أغاني الحب والرومانسية والفراق والعذاب التي اعتاد أن يغنيها كبار المطربين المصريين منذ الثمانينيات.

كانت صدارة نجوم الغناء العربي تتراجع، بينما تزداد شعبية الفرق الغنائية المستقلة أو ما يعرف بموسيقى "الأندرغراوند" ولا سيما بين أوساط الشباب، وكان معتادا أن تستعين الشركات العالمية الكبرى بفريق كايروكي في إعلاناتها التلفزيونية بديلا عن عمرو دياب ونانسي عجرم، ليصل الفريق إلى قطاع أكبر من المشاهدين في العالم العربي، يسمع صوته ربما للمرة الأولى في الفواصل الإعلانية لمسلسلات رمضان.

يقول أمير عيد "المحتوى الغنائي في الوطن العربي ثلاثة أنواع: أغانٍ رومانسية وأخرى وطنية وثالثة دينية، وهذه الألوان تتسم بالسطحية وتعتمد على شكل المطرب في المقام الأول أكثر من التعبير عن الواقع الذي نعيشه، ولهذا كفر قطاع من الشباب بهذه الألوان وفضلوا الاستماع إلينا".

بدوره يرى عضو الفريق شريف هواري أن قلوب المصريين ماتت منذ زمن بعيد بسبب الضغوط السياسية والاجتماعية التي نعيشها، ومع الوقت أصبح تذوقنا للكلمة التي تعبر عن إحباطنا أو معاناتنا وتعطشنا أكبر من قدرتنا على تذوق الموسيقى الخالصة.

الأغنية الشعبية
ولاجتذاب شريحة أخرى من الجمهور المصري العريض، خاض الفريق تجربة الأغنية الشعبية بعيدا عن موسيقى الروك، مشاركين نجوم الغناء الشعبي مثل عبد الباسط حمودة وطارق الشيخ، فقدموا أغنيات  "الكيف" و"غريب في بلاد غريبة" ومؤخرا قدموا أغنية "أنا السيجارة" في الألبوم الأخير.

وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يجتذب الفريق نحو مليون وأربعمئة ألف مشترك على يوتيوب، بينما يشترك على صفحتهم على فيسبوك أكثر من 2.5 مليون مشترك.

وأصدر الفريق ستة ألبومات منذ 2011 حتى الآن، استطاع بها أن يثبت تواجده خلال السنوات الثماني الأخيرة، منطلقا من ميدان التحرير، ومنه إلى منصات الإنترنت المختلفة وإعلانات الشركات العالمية.

ومنذ اليوم الأول، قرر الفريق أن تخاطب أغانيه وجدان الشباب وقضاياهم، وتعبر عن أحلامهم وإحباطاتهم، أو تداعب مزاج سائقي "الميكروباصات" (حافلات نقل الركاب) والتوك توك، وأحيانا تتحدى -ولو على نحو متواضع- سلطة حاكمة لا يسلم لها معارض من التنكيل والمنع.

المصدر : الجزيرة