عودة الدراما السورية.. ازدهار فني أم تلميع للأسد؟

من المسلسل السوري "باب الحارة" 10 (مواقع التواصل)
من المسلسل السوري "باب الحارة" 10 (مواقع التواصل)

زهراء مجدي

لم يتخيل العربي بعد السنوات العشر الماضية أن يتجه يوما في الموسم الرمضاني لمتابعة المسلسلات السورية، ولكن متابعتها فرضت نفسها على المشاهد في الشهر الكريم، بمعادلة جمعت فيها بين العدد الكبير للإنتاج، وجودة فنية، تعوض ما تتعرض له الدراما العربية من تكميم على يد حكوماتها.

تحاول الدراما السورية في رمضان هذا العام إنتاج عدد كبير من المسلسلات بمستوى فني جيد يلفت الأنظار، وربما سرقتها من دراما الخليج والدراما المصرية، خاصة مع انتهاء القتال حول دمشق العام الماضي بسبب سيطرة جيش الأسد، ليعود العمل في الإستوديوهات السورية.

الفنان ياسر العظمة في مسلسل "مرايا 10" (مواقع التواصل)

المال الإماراتي
تجاوز الإنتاج الدرامي السوري هذا العام عدد ما تم تقديمه طوال السنوات الماضية. ووصل عدد المسلسلات السورية 30 مسلسلا، مقابل 15 مسلسلا عام 2015، ويقوم معظمها على فكرة النقد الاجتماعي مثل "بقعة ضوء" و"مرايا" الذي أعاد الفنان ياسر العظمة لإعداد الجزء العاشر بعد انقطاع طويل، مقابل تلك التي تتناول الثورة السورية من وجهة نظر النظام.

وزاد من حدة المنافسة انتهاء الحظر على استيراد أو شراء المسلسلات السورية، في ظل انفتاح عربي يعود بخجل لشركات الإنتاج السورية، بعيدا عن الوضع السياسي ومواقف الحكومات العربية من الثورة السورية.

ونجحت الدراما السورية في الوصول للجمهور الإماراتي بمسلسل "سلاسل الذهب"، المذاع على تلفزيون دبي، كما فتحت مؤسسة أبوظبي للإعلام سوقا دخيلة للمسلسلات السورية، عبر شركة "ISEEMEDIA"، والمنتج مفيد الرفاعي، لتنجح بشراء خمسة أعمال درامية سورية وعرضها في موسم رمضان، مستغلة حالة التطبيع الدائرة بين الإمارات ونظام بشار الأسد.

كان ذلك بعدما مد المال الإماراتي يدا قوية في الإنتاج السوري، مقابل التصوير في المناطق السياحية في الإمارات للتسويق لها، وتغطية نفقات المسلسلات، خاصة "الحرملك"، و"أحلى أيام"، و"مقامات العشق" و"عندما تشيخ الذئاب".

كان النجاح الأكبر هذا العام للدراما السورية هو بيع حقوق عرض مسلسل "حرملك" لشبكة نتفلكس، ليصبح أول مسلسل سوري يُعرض في رمضان على الشبكة الرقمية.

والمسلسل بطولة جمال سليمان وباسم ياخور وسلافة معمار ودرة، وتم تصويره بين مدينة العين بالإمارات وجبل لبنان، ويبشر ببوابة جديدة تفتح أبوابها للفنانين السوريين.

"الحرملك" أول مسلسل سوري يعرض من خلال شبكة نتفلكس (مواقع التواصل)

تنظير مقحم
بلا جدال، جرى إنتاج الأعمال السورية بما يتوافق مع رؤية النظام السوري، وإذا كان العمل الفني أداة الفنان لتشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي للمشاهد، فهو اليوم في سوريا أداة بيد المخابرات لتشكيل توجه سياسي يبيض ياقات نظام الأسد.

فبعد سنوات من التلقين الفج والواضح في سيناريوهات المسلسلات التي تناولت شخصيات لضباط في الجيش السوري، تنأى الدراما السورية اليوم عن مناقشة الواقع، وبدلا منه تلجأ لمعالجة القضايا الاجتماعية، في إطار سعي المنتجين إلى تحييد أعمالهم وتجنب قولبتهم سواء ضد أو مع النظام.

وفي دعاية لها خففت الرقابة التلفزيونية في جهاز المخابرات السوري على المسلسلات، ورفعت قبضتها أخيرا عن مسلسل "ترجمان الأشواق" بعد منعه من العرض لمدة عامين.

وهو الرضا الذي يراه الكثير نتيجة ضرورية للتغييرات التي تمت على سيناريو المسلسل، حتى ظهر في المسلسل المعارض -سابقا- شخصية ضابط في أمن الأسد يقدر كاتبا يساريا ومعتقلا سابقا في التسعينيات، حتى يطلب الضابط بلطافة من الكاتب أن يكتب إهداء على الكتاب الذي اشتراه بنفسه من بيروت لأنه ممنوع بسوريا، وذلك كنوع من التلقين غير المباشر للجمهور.

وكان قد أعيد تصوير مشاهد لتغيير خط الشخصية الرئيسية، ليدور النقاش بين الأبطال الثلاثة اليساريين كخطاب داعم للأسد في إطار درامي. ورغم ذلك ما زال مخرج العمل محمد عبد العزيز يرى في عرض مسلسله "إزعاجا للسلطة".

جاء ذلك أيضا مع مسلسل "باب الحارة" الذي ظل لسنوات متعاقبة بأجزائه فخرا للدراما السورية، ليبدأ هو الآخر في تناول الصراع الدائر في سوريا بالإسقاط التاريخي على الأحداث، واعتبار الثورة مؤامرة خارجية بأهداف استعمارية، تهدف إلى النيل من الوطن.

من مسلسل الهيبة (مواقع التواصل)

وجهة جديدة لشركات الإنتاج
كان السبب الأكبر في تطور وغزارة الإنتاج السوري هو تبدل الواجهة الرأسمالية للنظام السوري، وتمثل ذلك في صعود اسم رجل الأعمال سامر الفوز، الذي وضع يده على أملاك شركة "حمشو" التجارية، ومعها شركة "سما الفن"، "سوريا الدولية" سابقا، مما يشكل بالنهاية النسبة الكبرى من قطاع الإنتاج الدرامي الخاص، بالإضافة إلى ما يمتلكه من وسائل إعلامية أخرى.

فبعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، بدأت شركات الإنتاج الكبرى في الحد من أعمالها، وظهرت شركات أخرى جديدة برؤوس أموال صغيرة، وبدا ذلك في فقر الإنتاج وغياب النجوم السوريين والاعتماد على الشباب.

صاحب ذلك أيضا مشاكل تسويقية لشركات الإنتاج، نجمت عن حالة الاستقطاب السياسي التي سيطرت على غالبية القنوات العربية، مع أو ضد الحكومة السورية، في انعكاس للداخل السوري.

وكان نزوح عدد كبير من صناع الدراما السورية من ممثلين ومخرجين وفنيين نتيجة حتمية لذلك، بعد اعتقال ومقتل الكثيرين منهم مثل ياسين باقوش وسوزان سلمان ومحمد رافع وفهد نجار ومي سكاف وليلى عوض وسمر كوكش وغيرهم، بخلاف الجمهور المتابع للدراما السورية لعقود.

ورغم العودة فقد خسر الوسط الفني في سوريا بعدما انقسم إلى مؤيد للنظام ومعارض، واضطر المعارضون لمغادرة سوريا، وكان لمغادرتهم وقعها السلبي على الدراما السورية، الذي استفادت منه بالمقابل صناعة الدراما في الدول العربية، وخاصة مصر ولبنان الذي ينتج للممثل السوري تيم حسن هذا العام مع الممثلة اللبنانية سيرين عبد النور.

المصدر : الجزيرة