التقليليّة.. في حب البساطة المفرطة

التقليليّة تطورت باعتبارها حركة فنية بالولايات المتحدة في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين (مواقع التواصل)
التقليليّة تطورت باعتبارها حركة فنية بالولايات المتحدة في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين (مواقع التواصل)

هند مسعد

لو أن هناك حدثين محوريين غيّرا وجه الحياة وطبيعتها في العصر الحديث، بحيث صارت الحياة قبلهما غير الحياة بعدهما للأبد، فسيكون هو الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في 28 يوليو/تموز 1914، واستمرت حتى 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918. والحرب العالمية الثانية التي اندلعت في 1 سبتمبر/أيلول 1939، واستمرت حتى 2 سبتمبر/أيلول 1945، والتي تعتبر بشكل ما استكمالا لذاك التغيير العنيف والصادم الذي طال كل شيء.

كانت الحربان الأولى والثانية بمثابة صفعة على وجه الإنسانية، وتلك الصفعة غيرت وجه الفنون كما غيرت وجه السياسة والآداب والعلوم الطبيعية وغيرها، فقد مهدت السياقات السياسية والفلسفية والنفسية المعاصرة للحروب لظهور مدارس فنية مختلفة كليا عن تلك التي سبقت مطلع القرن العشرين.

لقد لقي أكثر من 17 مليون شخص حتفهم في الحرب العالمية الأولى، وأصيب أكثر من عشرين مليونا آخرين بتشوهات وإعاقات بالغة. فيما لقي ستون مليون شخص مصرعهم في الحرب الثانية، بحكم تطور صناعة السلاح، وأصيب تقريبا 18 مليونا بإعاقات بالغة.

هذه النتائج المروعة ألقت بظلالها على الفن فظهرت مدارس ترسم الإنسان تتخلله الشروخ والكسور مثل التكعيبية، وثانية ترسم الإنسان في هيئة نمر متوحش مثل السريالية، وثالثة ترسم المشاعر بأبسط الخطوط والعناصر وهي التقليليّة.

ألف باء فن
تطورت التقليليّة باعتبارها حركة فنية بالولايات المتحدة في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين ووصلت لذروتها في أواخر الستينيات. وكان يُطلق عليها ألف باء فنّ (ABC Art)، لأنها تركز على العناصر البسيطة والأساسية في التعبير عن أي فكرة.

ويعتبر "الحد الأدنى" هو المبدأ الجوهري الذي تقوم عليها التقليلية باعتبارها مدرسة. فنجد أن الأعمال خالية حتى من ضربات الفرشاة الزيتية، وإن ما يركز عليه العمل هو الأشكال الهندسية والخط واللون. كما تميل الأعمال إلى أن تكون أحادية اللون، وإن اضطر الفنان لاستخدام لونًا إضافيا فإنه يميل لألوان مثل الأسود والأبيض، وهكذا يحتوي العمل على لونين أو ثلاثة على الأكثر.

تلك البساطة المفرطة لم تجعل من الحركة عاجزة عن تصوير أو تناول أي موضوع سياسي أو فلسفي أو غير ذلك، بالعكس، بساطةٌ مُفرطة أدت لجمال مُفرط. فالحركة ببساطتها كان بمثابة مُهدئ فني ما لبث حتى صار ساحة عزاء يلجأ إليها رواد الفن التشكيلي ومحبوه للتعبير عما يجول بخاطرهم دون أي تعقيدات.

وفي حين كانت الأرض تنفض عن نفسها غبار حربين عالميتين أتيتا على الأخضر واليابس، كانت التقليليّة هي المطر الذي أُريدَ له السقوط في تلك الفترة، ليغسل عن وجه الدنيا غُبار تلك السنوات العجاف. 

أنقى أشكال الجمال
وفقًا لمُجمع متاحف تات (Tate) البريطاني، فإن التقليليّة هي شكل مُنقّى للغاية من الجمال. ويرى تات أيضا أن التقليلية هي انعكاس لصفات مثل الحقيقة، لأن المذهب لا يتظاهر بأنه أي شيء آخر غير ما هو عليه، وكذلك انعكاس للنظام والبساطة والوئام.

وعلى المستوى الجمالي، فإن المذهب ظهر في فترة حرجة جدا من تاريخ الإنسانية المُلطخ بالدماء. وفي تلك الفترة، كانت التقليلية ترنو لتضميد جراح هذا العالم الذي كان يفتك فتكًا بجميع قيم العدل والخير والجمال.

وربما كان هذا هو السبب الذي ساعد التقليلية في الانتشار السريع والاستمرار بنجاح حتى العقد الثاني من القرنِ الحادي والعشرين، ففي حين لم يعد هناك انتشار واسع لمدارس مثل التكعيبية والانطباعية وغير ذلك، استمرت التقليليّة وشملت العمارة والموسيقى والأدب.

فقد حاولت التقليلية تقديم نوعٍ مُختلفٍ من الآداب والفنون، وحتى العمارة بوصفها فنا مرئيا، يتم فيه التركيز على العناصر الأساسية للكشف عن الوجه الحقيقي لعناصر العمل بموضوعية. وفي موسيقى التقليلية، تم التركيز على جماليّات الجرس والإيقاع في مقابل موضوع العمل الموسيقي نفسه، حتى يمكن اعتبار أن إظهار جمال العناصر المكونة لشيءٍ ما ببساطة هي تيمة التقليلية الموسيقية.

في مجملها، ربما اعتمدت التقليليّة على البساطة المُفرطة للتعبير عن جماليّات الاعتدال والحقيقة في شيء، غير أن الحركة رغم ذلك انطوت جوهريا على رؤية معقدة جدا، وهي كيف لنا أن نُعبّر عن المسائل المعقدة بوسائل بسيطة! 

"الأقل هو الأكثر"
وتكمن الإجابة في "التركيز على الحاجات الأساسية للوجود والتخلص من ثقل أي شيء آخر"، وبالطبع، فإن المرء عندما يُعاصر حربين عالميتين، بلغ القتلى فيهما ثمانين مليون نفس بشريّة، فإن اعتزال تلك المهزلة في شكل استخدام بسيط ومعتدل لعناصر الوجود كافة، ربما يكون طريقة فعالة للنجاة.

المصدر : الجزيرة