كارافاجيو.. رسام حكم عليه البابا بالإعدام بسبب "موت العذراء"

كانت الطريقة التي يرسم بها كارافاجيو ملفتة بشكل خاص في استخدامه نماذج مستوحاة من شخصيات حية (مواقع إلكترونية)
كانت الطريقة التي يرسم بها كارافاجيو ملفتة بشكل خاص في استخدامه نماذج مستوحاة من شخصيات حية (مواقع إلكترونية)

هند مسعد

اعتبرت أعماله الفنية في وقتها ثورة قلبت قواعد فن الرسم والنحت رأسًا على عقب؛ ولهذا السبب بالذات حكمت عليه الكنيسة بالموت؛ فقد تخلى مايكل آنجلو ميريزي، والمعروف بكارافاجيو (1571–1610) عن قواعد رسم الشخصيات والمواضيع الدينية بطريقتها "المثالية المعروفة".

ولد كارافاجيو في ميلانو، وكان والده مارسيز كارافاجيو مهندسًا معماريًّا، وكانت والدته اسمها لوسيا، ربّة منزل. وفي عام 1576 هربت أسرته من الطاعون بعد أن تفشّى في ميلانو، ثم انتقلت إلى مدينة كارافاجيو؛ التي نُسب إليها الرسّام وأصبح اسمه على اسمها.

ومنذ مطلع عام 1584، تدرب كارافاجيو ولمدة أربع سنوات على يد الرسّام سيمون بيترزانو، حيث أصبح متمرسًا وعلى دراية بأعمال ليوناردو دافينشي ورافائيل وغيرهما مِن أساتذة عصر النهضة.

انتقل كارافاجيو بعد ذلك إلى روما في عام 1592، وكان عمره نحو عشرين عامًا، وكان قبلها يكافح لعدة سنوات لكسب عيشه، حيث عمل في رسم مطبوعات دعائية للفاكهة والخضراوات في أستوديوين على الأقل: جراماتيكا وجوزيبي سيزاري.

وأراد في روما الانتقال لمحطة جديدة من عمله كرسّام، حيث أراد توظيف موهبته في رسم مواضيع أكثر واقعية وذات محتوى سردي. ورغم أنه لم يمتلك الأستديو الخاص به ليقوم فيه برسم لوحاته، فإن لوحاته كان لها التأثير الأكبر على كل رسامي عصره.

وذاع صيت كارافاجيو حتى وصل الفاتيكان، فقد كانت الطريقة التي يرسم بها مُلفتة بشكل خاص في استخدامه نماذج مستوحاة من شخصيات حية بالفعل، مع توظيف درامي هائل للإضاءة والظلال، وكل ذلك في إطار محتوى سردي قوي للغاية. 

بين عالمين
كانت بداية اهتمام كارافاجيو برسم الشخصيات الدينية هي نفسها بداية النهاية لحياته؛ فقد كان يعاني من انفصام في الشخصية، ويعيش في عالمين مختلفين. وما إن استأجرته الكنيسة لرسم مشاهد من حياة المسيح والعذراء في نابلس حتى رسم نفسه وحبيبته محل المسيح والعذراء وأحيانًا المجدلية أيضًا. 

ففي عام 1604، طلب منه المحامي الباباوي للكنيسة رسم لوحة حول موت العذراء، وبالفعل رسم كارافاجيو "موت العذراء" (The Death of the Virgin)، وانتهى منها عام 1906، لكنها أحدثت ضجة وسببت صدمة في الكنيسة، وأثارت غضب الرهبان والبابا، وصدر إثرها حكم على كارافاجيو بالإعدام.

والسبب هو أن رسم العذراء كانت له أصوله وتقاليده المعروفة منذ عصر النهضة، وهي التي ضرب بها كارافاجيو عرض الحائط؛ فقد جرت العادة أن يتم رسم العذراء بإيماءات من الورع والقداسة، وتظهر غالبا حولها ملائكة أو تصعد هي مع الملائكة في السماوات.

إلا أن كارافاجيو رسمها على فراش الموت حافية تتألم وترتدي ملابس رثة ومحاطة بعدد من الرسل على يمينها والمجدلية جالسة تبكي بحرقة على يسارها، وحتى الرسل أنفسهم لا يُمكن التعرف على هوياتهم؛ فقد ركز كارافاجيو على إحساس الفجيعة والحزن لا قُدسية الشخصيات.

الطامة الكُبرى
نزع ثوب القداسة عن العذراء والحواريين في اللوحة وتصويرهم في هيئة بشر عاديين فقراء يعانون وطأة الموت ليس السبب الوحيد الذي دفع البابا لإصدار حكم الإعدام على كارافاجيو؛ فالطامة الكبرى كانت أن كارافاجيو رسم عشيقته مكان مريم العذراء.

الكنيسة اعتبرت لوحة "موت العذراء" ذنبا لا يغتفر (مواقع التواصل)

فالمرأة الفقيرة المُمددة على السرير حافية بثياب رثة تعاني سكرات المرأة تحمل نفس ملامح حبيبة كارافاجيو. وعشيقة كارافاجيو نفسها كانت "غانية". وهكذا وجدت الكنيسة نفسها أمام "غانية مكان العذراء" في اللوحة. وهو الأمر الذي اعتبرته الكنيسة "ذنبًا لا يغتفر" في حق الشخصيات المقدسة.

وفي اللوحة نفسها، نجد منظورا أفقيا سلّط فيه كارافاجيو الضوء بشدة على العذراء وهي صامتة ومُمددة على فراش الموت، وهي الوجه الوحيد الذي يظهر بالكامل في اللوحة، وهو نفسه وجه حبيبته الغانية. وتتناقض هيئة العذراء في اللوحة مع أي تصور سابق لها في لوحات عصر النهضة، حيث كانت تظهر جميلة ومنيرة بين الملائكة وتحتضن المسيح طفلا.

كذلك لا يوحي الجو العام في اللوحة بالارتياح ولا بطوباوية وجود حواريين وشخصيات مقدسة؛ فجسد العذراء شبه مُتصلب والغرفة هي الأخرى فقيرة من أي طقوس أو أيقونات ديني؛ مُجرد غرفة عادية يظلها ستار أحمر ضخم من السقف. وهو أشبه بستار مسرحي يكاد يسقط ليُغلق الستار على الفصل الأخير من الحكاية. 

اليوم، تُعد هذه اللوحة ثورة قام بها كارافاجيو في أواخر القرن 16 وأوائل القرن 17، ليس فقط لأنه نزع رداء القداسة عن شخصيات مقدسة، بل أيضًا بسبب جرأته غير العادية على رسم نفسه وعشيقته مكان المسيح والحواريين ومريم والمجدلية. وبأسلوب درامي وقوي ركز على الموت كحدث واقعي مؤسف بعيدًا عن أي رمزيات دينية.

المصدر : الجزيرة