حجب مواقع المسلسلات.. كيف تحكم السلطة قبضتها على الفن بمصر؟

يعتقد البعض أن حجب "إيجي بيست" جاء لصالح شركة إعلام المصريين المملوكة للمخابرات (مواقع التواصل)
يعتقد البعض أن حجب "إيجي بيست" جاء لصالح شركة إعلام المصريين المملوكة للمخابرات (مواقع التواصل)

عبد الكريم سليم-القاهرة

حجبت السلطات المصرية يوم الثلاثاء الماضي موقع "إيجي بيست" الترفيهي، والذي كان يقدم خدمات تنزيل الأفلام والمسلسلات مجاناً للجمهور.

وامتد الحجب ليشمل "عرب ليونز، أكوام، موفيز لاند، عرب سيد، مزيكا توداي، شاهد فور يو، شاهد فور أب، سيما فور أب" وجميعها مواقع معروفة تقوم بتوفير المسلسلات والأفلام العربية والأجنبية مجانا.

وأحدث الحجب صدمة لدى عشاق الدراما الذين اعتبروا أن الحجب يأتي في سياق سعي السلطة لاحتكار عروض الدراما والتربح من ورائها لصالح شركة "إعلام المصريين" المملوكة للمخابرات، والتي أطلقت تطبيق "ووتش آت" باشتراك شهري قدره 99 جنيها (نحو خمسة دولارات) وهو متاح لراغبي مشاهدة المسلسلات على الإنترنت.

واحتكرت الشركة لنفسها هذا العام إنتاج 15 مسلسلاً من بين 24 مسلسلاً هي جملة ما تم إنتاجه، انخفاضاً من سبعين مسلسلاً الأعوام السابقة.

وكان من اللافت قيام نجوم ومذيعين وقيادات لهيئات رسمية بالهجوم على الشركة المحتكرة وانتقاد تحدث ملاكها باسم جهاز المخابرات، وتستحوذ "إعلام المصريين" على معظم وسائل الإعلام الخاصة المؤثرة.

وتواصل الشركة تقديم أعمال فنية حظي بعضها بنجاح جماهيري أغرى منتجيها بتقديم أجزاء متتالية منها، وعلى رأسها مسلسل "كلابش" البوليسي الذي يمجد أداء الأجهزة الأمنية.

كما تمكنت نتيجة استحواذها على سوق الدراما من تحديد سقف منخفض لأجور النجوم، وذلك عند التعاقد معهم على إنتاج مسلسلات هذا العام.

أساس الشراكة
ويرجع تأسيس "إعلام المصريين" إلى عام 2016، عقب إعلان شراكة بين شركة "بلاك أند هوايت" التي يديرها ضابط مخابرات سابق يدعى ياسر سليم وبين شركة "سينرجي" لصاحبها تامر مرسي.

وأنتجت الشركتان أعمالًا عديدة، ولم تحظ معظم المسلسلات المعروضة حالياً برضا كثير من المشاهدين، وتزايدت انتقادات رواد مواقع التواصل لنوعية الأعمال وأداء الممثلين، لاسيما مع تزايد الابتذال والإسفاف، بحسب تدوينات لرواد مواقع التواصل.

يأتي ذلك رغم أن المدير التنفيذي لشركة "إعلام المصريين" كتب على صفحته الشخصية قائلا عند بدء إنتاج هذه الأعمال "من حقنا أن يدخل بيوتنا إعلام نظيف، ينتقد بموضوعية ويوضح الإنجازات، من حقنا ألا نرى كذباً ولا تحريضاً ولا إسفافاً".

ويضيف سليم أن الدراما المصرية بمثابة "القوى الناعمة" لمصر والتي "أُهملت" خلال الفترة الأخيرة، داعيا الجميع للتعاون معه لإنقاذها لأن "بنهضتها ننهض ثقافيًا وفنيًا واقتصاديًا أيضًا".

وقالت صحيفة تايمز البريطانية إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومنذ توليه السلطة عام 2014 سعى للسيطرة على السياسة وخنق النقاش الفكري والحد من حرية الصحافة، لكن رغبته الآن في السيطرة على المجال العام امتدت إلى عالم المسلسلات والدراما.

وحذر الناقد طارق الشناوي من خطورة امتلاك شركة واحدة لسوق الدراما، مؤكداً أن الإنتاج الدرامي هدفه العرض والكسب، ولكن ما يحدث هو أن شركة إنتاج واحدة تمتلك وحدها حق العرض لأن لديها سبع قنوات قوية.

وهنا تضيق مساحات الاختيار أمام الجميع، منتجين ومشاهدين، عكس ما هو مفترض لإنتاج دراما جيدة، من اتساع دائرة اختيار الفن لنفسه، بحسب الشناوي.

ومضى الناقد موضحاً أن تغير ذائقة الجمهور تجاه فنان أو نمط درامي مسألة متوقعة نتاج آليات السوق، أما تغييب فنان أو تغيير النمط الدرامي بـ "تدخل علوي" فذلك يعني أن جهة ما تحل محل الجمهور في الاختيار، فتسقط هؤلاء وتنجح آخرين، كما تعلي نمطاً من الفن وتهوي بآخر.

احتجاجات وتبريرات
ولا يبدو ثمة تدخل رسمي للحد من هذا الاحتكار رغم تعالي الأصوات برفضه، وكانت آخر المحاولات الرسمية قبل عام حينما شكل المجلس الأعلى للإعلام لجنة للدراما وأسند رئاستها للمخرج محمد فاضل.

واستقالت اللجنة بكامل تشكيلها بسبب تضارب الاختصاصات مع لجنة أخرى، وبعدها أُعلن عن إسناد رئاسة اللجنة للممثل محمد صبحي.

وفي تصريحات صحفية لصبحي قبل أسابيع أكد أن اعتذاره عن عدم تولي المنصب كان لعدة اسباب من بينها طلبه من المجلس الإعلان عن رفض احتكار الدولة للفن والإعلام والثقافة، وهو ما لم يحدث.

بالمقابل، ينظر الخبير الإعلاني عمرو قورة للأمر من زاوية أخرى تبرئ ساحة "إعلام المصريين" لأنها "اضطرت للتدخل إنقاذا للدراما".

ويؤكد قورة أن المنتجين هم من تراجعوا مؤخراً عن الإنتاج، ليس بسبب وجود "إعلام المصريين" ولكن بسبب خسائرهم الضخمة التي تجاوزت المليار جنيه (نحو 55 مليون دولار).

وعزا قورة الخسائر لارتفاع الأجور المبالغ فيها، مع اشتراط الفضائيات أسماء نجوم بعينها لتشتري المسلسلات، ثم اشترت تلك الفضائيات المسلسلات بمبالغ ضخمة ولم تسدد ما عليها للمنتجين الذين تعثروا ولم يتمكنوا من الاستمرار.

وطالب بتدخل الدولة لإنقاذ الغالبية من المنتجين، وحدد خطوات الإنقاذ في ضرورة إيجاد موسم طوال العام للدراما وألا ينحصر فقط في شهر رمضان، مع اختصار عدد حلقات المسلسلات.

وتابع -في مقال له- أن ذلك يفتح المجال لإنتاج أكثر من مئة مسلسل قصير كل عام، ليعمل فيها كل من يشتكي الآن من البطالة، وتنتعش الصناعة.

كما طالب المنتجين بالسعي وراء فتح أسواق جديدة غير معتادة مثل المنصات الرقمية، مع ضرورة إعادة النظر في أجور الفنانين وأسعار المعدات، ولفت إلى أن معظم دول العالم المتقدمة لديها دليل وقوانين ولوائح تحدد تلك الأجور والأسعار بدقة وصرامة.

المصدر : الجزيرة