100 عام على الباوهاوس.. مدرسة تصميم تقدم الروح على الآلة
عـاجـل: مصادر للجزيرة: طائرات حربية تشن غارات على مناطق جنوبي الشيخ زويد ورفح والعريش في سيناء بمصر

100 عام على الباوهاوس.. مدرسة تصميم تقدم الروح على الآلة

تقوم فكرة مدرسة الباوهاوس الرئيسية على محاولة ربط الفن بالعمارة والهندسة (مواقع التواصل)
تقوم فكرة مدرسة الباوهاوس الرئيسية على محاولة ربط الفن بالعمارة والهندسة (مواقع التواصل)

سارة عابدين

يمر هذا العام قرن كامل على تأسيس مدرسة الباوهاوس (بيت العمارة) في ألمانيا عام 1919. وهي مدرسة تصميم وهندسة معمارية حديثة أسسها المهندس الألماني فولتر غروبيوس (1883-1969). تقوم الفكرة الرئيسية على محاولة ربط الفن بالعمارة والهندسة، وعدم استمرار تباعدهما كما كانا في القرن 19 وما قبله.

رأى غروبيوس أن الفن والهندسة يمكن أن يفيد كل منهما الآخر، وشارك طلاب المدرسة في تصميم المباني وتجهيزها، باستخدام التجريب والخيال الجريء، دون أن يغيب عن نظرهم هدف التصميم الذي وضعوه، لتصبح الهندسة المعمارية ملتقى وموحد جميع الفنون، وتهيئ بيئة يومية متكاملة للتصميم، بدءا من ملعقة صغيرة وصولا إلى مدينة بأكملها.

لسنوات طويلة لعبت مدرسة الباوهاوس دورا كبيرا في تغيير المظهر المادي للعالم اليومي ومفرداته، من تصميم الكتب إلى الإضاءة المنزلية، للأثاث خفيف الوزن، في تطبيق عملي لفكرة الباوهاوس (وظائفية العمارة) التي تهدف إلى توافق التصميم مع الهدف المراد منه، وهنا يمكن أن ندع الجمال وشأنه دون أن يكون شاغلا رئيسيا للمصمم.

أدى تطبيق أفكار الباوهاوس إلى التخلص من الزخارف التي لا ضرورة لها، والتي كدستها وكرست لها أفكار القرن 19 وما قبله، لكن ذلك لا يمنع وجود أشياء صحيحة وظيفيا، لكنها قبيحة، أو عادية على الأقل. أعمال الباوهاوس جميلة ليس فقط لأنها تتوافق مع وظيفتها التي صممت من أجلها، بل لأن فنانين أصحاب رؤية فنية وذوق صمموها وعرفوا كيف يجعلون البناء متوافقا مع هدفه، ومرضيا للنظر في الوقت نفسه.

أهمية التجريب
لا يمكن إنكار أهمية وقيمة التجريب، لأن اكتشاف العلاقات المختلفة بين الأشكال والخامات يحتاج إلى كثير من التجربة والخطأ. يجب أن يكون المصمم أو المهندس حرا في اختيار مختلف التوافقات والمواد، حتى لو أفضت التجارب إلى طريق مسدود في بعض الأوقات، لكنها نهاية الأمر تكون مفيدة، إذ لا يمكن للفنان أن يسلك المسلك المعتاد الحذر دائما، لأن أغلب الأحداث والمدارس الفنية الكبرى جاءت في الأساس من أفكار غير متداولة وتجارب ربما كانت تبدو متهورة في وقتها. 

الباوهاوس والنازية
منذ البداية كانت أنظار اليمين الألماني متربصة بغروبيوس ومدرسة الباوهاوس. عند ظهور الباوهاوس لأول مرة عام 1919، كان البيان الخاص بها محملا بالاشتراكية والثورية، وبدت كأنها أرض خصبة للراديكاليين، بالإضافة إلى تمويلها من قبل اليساريين، وكان أساتذة المدرسة فنانين طليعيين ثوريين، لبعضهم تاريخ من العمل مع المنظمات البلشفية بالاتحاد السوفياتي، مثل فاسيلي كاندينسكي.

غروبيوس مؤسس الباوهاوس (مواقع التواصل)

وكان زعيمها غروبيوس يساريا أمميا، يحاول تحقيق أفكاره التقدمية من خلال التصميم بدلا من السياسة، عن طريق إنشاء مساكن نظيفة للعمال، وأماكن عمل آمنة ومضيئة وجيدة التهوية. كما عمل على إنشاء نقابة تضم العاملين في مدرسة الباوهاوس، من فنانين وحرفيين دون التميز الطبقي بين العامل والفنان، كان هدف غروبيوس تقديم الروح على الآلة، بينما كان هدف النازية قمع الروح من خلال الآلة.

بدأت معارضة الباوهاوس على الفور، من السكان المحليين ضد طلاب المدرسة، وحفلاتهم السريالية، وموسيقى الجاز والموسيقى الشعبية. نظروا إليهم كغرباء يخالفون التقاليد، ويدنسون أكاديمية الفنون التقليدية المحافظة. وأصبحوا محور ازدراء من اليمين البروتستانتي المحافظ، وأطلقت عليهم شائعات بـأنهم يقيمون حفلات جنسية، بعبادات شيطانية. وتم استغلال الصحف والأحزاب السياسية اليمينية في السخرية من المدرسة والتأكيد على أنها تشكل تهديدا عالميا للنقاء القومي الألماني المفترض.

وفي النهاية وبعد تنقلات بين المدن المختلفة، ومؤامرات مستمرة على المدرسة، تم إغلاقها تماما بعد 14 عاما من نشأتها، وقامت الحكومة النازية بتدمير مقرات المدرسة، وأعمالها الفنية، من لوحات جدارية ونصب تذكارية.

يمكن القول إن خسارة ألمانيا من تدمير المدرسة كانت كبيرة، أيضا كانت مكاسب الدول الأخرى أكبر، حيث أخذ طلاب المدرسة أفكارهم وأخلاقياتهم معهم إلى بلدان ومدن مختلفة مثل: ديترويت، شيكاغو، طوكيو، أمستردام، من خلال الهندسة المعمارية والفن والتصميم الصناعي.

الآن بعد مرور مئة سنة على إنشاء مدرسة الباوهاوس، يمكن القول إن الفكرة انتصرت نهاية الأمر على النازية، واستمرت لسنوات بالرغم من كل محاولات الهدم والتضييق واعتقال معلميها وفنانيها. لقد فشلت النازية في محو الفكرة، ولا تزال حياة الباوهاوس قائمة، ليس فقط من حيث الأسلوب، ولكن في جوهر وأخلاقيات المدرسة الفنية التي ترغب في حياة أفضل للجميع دون تفريق بينهم بشكل طبقي.

المصدر : الجزيرة