نيتشه.. الفيلسوف الذي اعتبر الموسيقى وسيلة للخلاص

نيتشه يعتبر الموسيقى هي فن التعبير عن العواطف والمشاعر بالأصوات الموسيقية (مواقع التواصل)
نيتشه يعتبر الموسيقى هي فن التعبير عن العواطف والمشاعر بالأصوات الموسيقية (مواقع التواصل)

هند مسعد

على الرغم من كونه واحدا من أشهر الفلاسفة وأكثرهم جدلا في التاريخ فإن الألماني فريدريش نيتشه (15 أكتوبر/تشرين الأول 1844-25 أغسطس/آب 1900) كان مؤلفا موسيقيا وشاعرا وملحنا قبل أن يكون فيلسوفا، وقد سبقت إسهاماته الموسيقية إسهاماته الفلسفية.

وفي كتابه "ميلاد التراجيديا"، يرى نيتشه أنه لولا وجود الموسيقى في هذا العالم واللغة التي نشأت وتطورت بنشأة وتطور الوعي ما كنا ككائنات نستطيع التواصل فيما بيننا على الإطلاق، فضلا عن النجاة من منظور تطوري.

كما كان يعتبر الموسيقى هي فن التعبير عن العواطف والمشاعر بالأصوات الموسيقية كوسيلة أو وسيط (medium)، وفقا للباحثة في جامعة بنسلفانيا كاثلين هيغنز، ويعزو نيتشه السبب لقدرة الموسيقى على استحضار ردود عاطفية لدى مستمعيها.

وحسبما يرى نيتشه، فإن قدرة البشر على استشعار واختبار الموسيقى هي أمر فائق التجاوز لطبيعة ووظيفة اللغة، ففي سياق اللغة نجد أن الأشياء والكلمات التي نستدل بها قد لا تتطابق بالضرورة مع الشيء/الأمر الذي يستدل عليه.

فالكلمات التي نستخدمها في وصف الأشياء ليست هي حقيقة وجوهر تلك الأشياء بالضرورة، بل مفهومنا نحن وتصوراتنا لتلك الأشياء، وفي الوقت الذي قد تكون فيه مفاهيمنا تلك واعية أو غير واعية، صحيحة أو خاطئة، فنحن في النهاية قد نستخدم كلمات للاستدلال على أشياء وأمور لا تتفق ولا تتناسب مع تلك الكلمات على مستوى الموضوع حتى لو اتفقت معها على مستوى الشكل.

أما الموسيقى فهي الوسيلة الناجعة والسليمة التي يمكن اعتمادها لتعزيز وتوضيح هذه المفاهيم والاستعارات اللغوية، وبالتالي تحقيق الغاية المرجوة من وراء تواصلنا ككائنات، فالموسيقى لا تنفك تؤكد لنا أننا جميعا ككائنات لدينا إحساس سمعي، بل إن هذا الإحساس قادر على خلق وتطوير حالة من الوعي بالذات والعالم من حولنا على منطلق تطوري.

الموسيقى ووحدانية الكون
يرى نيتشه أن التفاعل بين النغمات والاستجابة لحالة التناغم التي تخلقها هما اللذان يساعدان على اختبار الشعور بوحدانية الكون والذي يتم التعبير عنه ككل في التجربة الموسيقية، فالموسيقى، حتى الحزينة والمأساوية أو الملحمية، تعبر عن تجربة الوجود الإنساني في مجمله وليست تجربة شخصية تخص شخصا بعينه.

كذلك، فإن الموسيقى أيضا هي التي تخفف آلامنا وصراعنا فيما بيننا كبشر لأنها تساعدنا في الانسلاخ عن ذواتنا عبر حالة التعالي على الآلام الشخصية التي تخلقها فينا، فهي تركز على فكرة الفرح والحزن نفسها من دون أي اعتبارات فردية.

فهذه الأنغام الحزينة هي صوت الحزن نفسه وليست صوت حزنك أنت، وهذه الأنغام السعيدة هي صوت الفرح نفسه وليست صوت فرحك أنت، هكذا يرى نيتشه في كتابه "ما وراء الخير والشر"، لذلك، فنحن بصدد تجربة نوع من الخلاص الحقيقي عند الاستماع للموسيقى، نوع من الخلاص الذي لا علاقة له بالمفهوم المسيحي.

ويعد "ميلاد التراجيديا" هو أحد أكثر الكتب التي تناولت بعمق رؤية نيتشه للفن والجمال، وفيه، اعتبر الفن وحده القادر على تحويل الأفكار المروعة عن رعب وعبث الوجود إلى تمثلات يمكن للإنسان أن يعيش معها، بل إن الفن هو الوحيد القادر على ترويض الخوف من العبثية التي تحكم الوجود.

وصحيح أنه كان مدركا تماما لأهميته كمفكر وفيلسوف أثر بعمق وللأبد في الفكر والفلسفة، إلا أنه رأى من المهم تناول وفهم بعض آرائه بشأن الفن والموسيقى، وموسيقاه التي ألفها على وجه الخصوص، على الأقل من أجل تجنب سوء فهم نواياه الأساسية كفيلسوف.

وخلال حياته، لم تنل مؤلفات نيتشه الموسيقية نفس النجاح أو الأهمية التي لاقتها أعماله الفلسفية، سواء من قبل أصدقائه أو من قبل جمهور القراء، وحتى بعد أن أصبح اسمه معروفا عالميا تم الاطلاع على مؤلفاته الموسيقية فقط من باب الفضول لفهم سيرته الذاتية.

ومع ذلك، ظلت آراؤه بشأن الموسيقى مفتاحا لفهم فلسفته، فالموسيقى -حسبما يرى- هي التي تعبر عن الأساس الجوهري المشترك بين كل الموجودات، وفي حين تعبر اللغة عن المعاني عبر معاجم من الكلمات النسبية فإن الموسيقى تعبر عن تجربة الوجود الإنساني بلا كلمات على الإطلاق.

المصدر : الجزيرة