موسيقى الأندرغراوند.. من تحت الأرض إلى سطحها

وجدت شرائح واسعة من الشباب في موسيقى الأندرغراوند صوتًا مستقلا معبرا عن أفكارهم ورؤيتهم الخاصة (مواقع التواصل)
وجدت شرائح واسعة من الشباب في موسيقى الأندرغراوند صوتًا مستقلا معبرا عن أفكارهم ورؤيتهم الخاصة (مواقع التواصل)

محمد أنيس

لكل عصر وكل مرحلة مفرداتها الفنية الخاصة، وفي كل زمان يظهر ما هو جديد ومختلف فيحل محل ما هو قديم وتقليدي، غير أن هذا الجديد المختلف دائما ما يمر بدورة حياة يكون فيها هو النوع البديل إلى أن يتم اعتماده من قبل الجمهور أولا ثم من قبل دوائر الإنتاج والتوزيع ثانيا، ليتحوّل بذلك إلى "المينستريم" والرائج. في السطور القادمة نتعرف بشكل واضح على مدلولات هذه المفاهيم المتداخلة بالتطبيق على عدد من النماذج، وأطوار تحولها من البديل إلى الرائج.

الموسيقى المستقلة
يرجع مفهوم الموسيقى المستقلة إلى ستينيات القرن العشرين، وهو المفهوم الذي يعبر عن كل أشكال الموسيقى التي تمردت على القواعد التقليدية لدوائر إنتاج وتوزيع الأعمال الموسيقية، سواء تم تقديمها بواسطة أفراد أو فرق موسيقية، غير أن المفهوم ارتبط على مستوى التطبيق -وخاصة في مصر- بالفرق الموسيقية التي اشتهرت منها في السبعينيات والثمانينيات أسماء مثل "الجيتس" و"الفور إم" و"المصريين" و"طيبة" وغيرها.

وتقتضي الاستقلالية عددا من التحديات أمام صناع الموسيقى، أولها التمويل، ففي حالة أن الفنان اختار أن ينتج موسيقاه الخاصة بعيدا عن دوائر الإنتاج التقليدية، يتحتم عليه أن يوفر مصادر تمويل بديلة.

يرتبط مفهوم الموسيقى المستقلة أيضا بالاستقلال على مستوى المحتوى والموضوع، إذ سعى الفنانون -كما يشير محمد الصدفي في مقاله "فرق الأندرغراوند.. الخروج من الهامش والعودة إليه"- إلى تقديم منتج مختلف عن المنتج التقليدي الرائج بعيدا عن قيود الرقابة على المصنفات المفروضة على الأعمال المسجلة، أو قيود شركات الإنتاج التي تضع ضوابط واختيارات شكلية معينة لإنتاج الألبومات الموسيقية.

البديل في مواجهة الرائج
الموسيقى الرائجة هي الموسيقى التي تمتلك ظهيرا جماهيرا واسعا، والتي تعوّد الجمهور على استهلاكها، وهي الموسيقى التي تحافظ على وجودها دوائر الإنتاج التقليدية، فنرى أن العديد من الأنماط الموسيقية والغنائية يعاد تدويرها طوال الوقت كونها الوصفة الجماهيرية الناجحة والمضمونة.

ومن ذلك مثلا نجد أن عددا من الأغاني يعاد إنتاجها مرة أخرى لمطربين مختلفين، فهناك أغنية عمرو دياب "اللي بيني وبينك" التي غنتها جنات، وأغنية تامر حسني "والله ما تحدى" التي غنتها أصالة، كما يتكرر الأمر نفسه على مستوى الألحان، فنجد أن أغنية أمال ماهر "اتقي ربنا فيا"، تقوم على نفس لحن أغنية "قال جاني بعد يومين" لسميرة سعيد.

نجد ذلك أيضا على مستوى الموضوع، إذ نلاحظ أن الغالبية العظمى من الأعمال الرائجة تدور موضوعاتها حول الحب والهيام والفقد وغيرها من الموضوعات الرومانسية والتي تدعمها آلة تسويق عملاقة ترتبط بدوائر الإنتاج التقليدي، بينما الموسيقى البديلة تحاول تقديم منتج مختلف يعتمد على تقديم موضوعات سياسية أو مجتمعية بالأساس.

كما يرتبط مفهوم الموسيقى البديلة بمفهوم أوسع هو الثقافة البديلة، إذ تقوم أغلب الأعمال المنتمية إلى هذا المفهوم على ثقافات فرعية وبديلة وغير رائجة، أما آخر العوامل التي يمكن من خلالها التفرقة بين الرائج والبديل أو المستقل، فهي الجودة الفنية والتقنية، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بمعضلة الموارد الإنتاجية، إذ إن معدات الصوت والتسجيل وأجور مهندسي الصوت والأستديوهات المتخصصة تتطلب موارد ضخمة نسبيا ﻻ يقدر عليها سوى شركات الإنتاج الكبيرة أو كبار فناني المينستريم.

موسيقى الأندرغراوند
بدأ مصطلح الأندرغراوند في الانتشار عالميا في عقد الستينيات من القرن العشرين، واكتسب الاسم مدلوله ﻻرتباط الطرق تحت الأرض بحركات المقاومة وخلق البدائل.

اكتسب مفهوم موسيقى الأندرغراوند زخما كبيرا بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، إذ وجدت فيها شرائح واسعة من الشباب صوتًا مستقلا معبرًا عن أفكارهم ورؤيتهم الخاصة للحياة والسياسة والمجتمع، فضلا عن رؤيتهم للثقافة والفنون.

وقد شهدت الموسيقى المستقلة تراجعا ملحوظا في عقد التسعينيات، مع سيطرة كاملة لسوق الأشرطة (الكاسيت) وشركات الإنتاج الكبيرة، ثم شهدت مرحلة يمكن أن نطلق عليها إعادة البعث مع بداية الألفية الجديدة وتغول التكنولوجيا على العملية الإنتاجية.

ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وظهور تقنيات بسيطة وغير مكلفة للتسجيل، استطاعت فرق الأندرغراوند أن تحقق نجاحا ملحوظا ارتبط بشكل واضح بالتحول الذي لحق بالحركة الفنية وبالمجتمع ككل مع بداية عام 2011، والتي سعى فيها الجمهور إلى استهلاك ألوان مختلفة من الموسيقى عن تلك الرائجة والمنتشرة.

الخروج من العالم السفلي
في مواجهة معضلة التمويل، كان على هذه الفرق المستقلة أن تلجأ إلى مصادر التمويل البديلة، إما عن طريق التمويل الجماهيري، وهي طريقة أثبتت نجاحا مبهرا كما يشير أيمن مسعود في ألبوم "رقصوك" لفرقة "مشروع ليلى"، حيث استطاعت الفرقة جمع 66 ألف دوﻻر لإنتاج ألبومها وتجهيز خطة إصداره على مستوى احترافي. كما يلجأ البعض الآخر للمؤسسات الثقافية كما فعلت فرقة "افتكاسات" في إنتاج ألبوم "سيدي اللاتيني" بدعم من مؤسسة المورد الثقافي.

لم يكن من المتوقع أن يستمر الوضع على ما هو عليه، وﻻ أن تستمر هذه الفرق تحت الأرض، إذ إن نجاحها في جذب شرائح مختلفة من الجمهور المتعطش لمنتج فني مختلف، سرعان ما فتح لها الطريق التجاري، وهو ما يظهر -بحسب رامي أبادير- من خلال رعاية شركتي كوكاكولا وبيبسي لفريقي كايروكي ووسط البلد، ومشاركة هذه الفرق وغيرها في إعلانات لشركات استهلاكية ضخمة.

ويرى رامي أبادير أنه من خلال هذين المثالين تتضّح عملية الترويج لهذه الفرق كسلعة للجمهور، فلا يوجد فارق بين المحتوى الذي تقدمه الكيانات الجماهيرية والكيانات المستقلة، والهدف أصبح واحدًا.

نتيجة لهذا التحول السريع والمتواصل، سعى الجمهور إلى التعرف على فرق "مستقلة" جديدة وغير منتشرة أو معروفة، وانصرف عن الفرق القديمة التي أصبحت أكثر رواجا وصارت تنتمى إلى التيار السائد أكثر من انتمائها إلى العالم السفلي للموسيقى المستقلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يشهد هذا الشهر مرور 121 عاما على ذكرى مولد موسيقار الأجيال وصانع موسيقى القرن الفنان محمد عبد الوهاب، الذي يعد أحد أهم مطربي القطر المصري. وهذه نبذة عن حياته.

المزيد من فن
الأكثر قراءة