نور الشريف.. الغائب الحاضر بعبقريته الفنية

نور الشريف.. الغائب الحاضر بعبقريته الفنية

نور الشريف استطاع إثبات نفسه في السينما والدراما (مواقع التواصل)
نور الشريف استطاع إثبات نفسه في السينما والدراما (مواقع التواصل)
ياسمين عادل

تحل اليوم الذكرى الـ73 لميلاد الفنان المصري الراحل نور الشريف، ومع أنه توفي منذ عدة سنوات فإن الشاشة العربية ما زالت تنزف إثر فقدانها نجما مثقفا وعبقريا مثله لن يتكرر بسهولة.

خسرته الكرة وكسبه الفن
ولد محمد جابر عبد الله (نور الشريف) يوم 28 أبريل/نيسان 1946 في القاهرة، وفي 1947 توفي والده عن عمر يناهز 26 عاما، وهو ما تسبب له بخوف من الزواج خشية الموت مبكرا كوالده وترك أبنائه خلفه.

كان نور يملك من الوعي المبكر ما مكنه من اكتشاف موهبته في سن صغيرة، فانضم لمسرح تمثيل المدرسة، لكن مع بدايات المراهقة بزغ حلم آخر بالأفق نتج عنه انضمامه لفريق أشبال كرة قدم نادي الزمالك، قبل أن يلتحق بكلية التجارة.

لكن شغفه بالتمثيل انتصر على حبه لكرة القدم، فقرر ترك الفريق والجامعة والالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، حيث أثبت نفسه وتخرج بتقدير امتياز وترتيب الأول على دفعته.

ترشيحه من قبل عادل إمام
دخل نور الشريف عالم التمثيل على يد سعد أردش الذي رشحه لدور صغير في مسرحية "الشوارع الخلفية"، بعدها اختاره المخرج كمال عيد للاشتراك في مسرحية "روميو وجولييت"، وخلال التدريب عليها تعرف إلى عادل إمام الذي منحه فرصة العمر حين رشحه للمخرج حسن إمام للاشتراك في فيلم "قصر الشوق"، وهو ما فاز عنه نور بشهادة تقدير أثبتت ميلاد نجم جديد.

ليتوالى بعدها تقديمه أعمالا ذات وزن مهم، حفر اسمه من خلالها كأحد أهم الموجودين على الساحة، مخترقا بعمل بعد آخر صفوف النجوم الأولى. ومن أشهر الأعمال المحفورة في ذاكرة السينما مما قدمه في بدايته: "بئر الحرمان"، و"الإخوة الأعداء"، و"دائرة الانتقام"، و"ضربة شمس".

عبقرية الاختيارات
بالتنقل بين محطات نور الشريف الفنية، يسهل اكتشاف كم كانت أعماله مختلفة عن باقي جيله، يميزها تفرد اختياراته، حتى أن سبعة من أفلامه جاءت من بين أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وهي: "زوجتي والكلب"، و"أبناء الصمت"، و"الكرنك"، و"أهل القمة"، و"حدوتة مصرية"، و"العار"، و"سواق الأوتوبيس".

لم يكن ذلك ناتجا عن موهبته العارمة فحسب، بل ساهم فيه نضجه ووعيه الشخصي، مما جعله يتفادى بذكاء الهوة التي سقط فيها الآخرون في خضم عصر أفلام المقاولات بين الثمانينيات والتسعينيات، حين كان غالبية الفنانين يبحثون عن الثراء السريع والانتشار، فيما انتصر هو للكيف على الكم مفضلا تقديم أعمال لم تتميز فقط بجودة المضمون وإنما بالتنوع أيضا.

ساعد على ذلك نهمه للقراءة واطلاعه على ثقافات متعددة، فشمل مشواره الأعمال السياسية والدينية والتاريخية والاجتماعية والرومانسية.

فيما عمل مع مخرجين أصحاب مدارس المختلفة، مثل: يوسف شاهين، وداود عبد السيد، وعلي عبد الخالق، وعاطف الطيب، وعلي بدرخان وغيرهم، وعلى ذلك فقد نجح في الوصول إلى حالة من التناغم مع كل منهم.

ولأن مشواره تجاوز 170 فيلما، كان من الطبيعي أن تجمعه ثنائيات ببعض النجمات، منهن: بوسي، وميرفت أمين، ونورا، وسعاد حسني، أما النجوم الذكور فعمل عدة مرات مع محمود عبد العزيز وحسين فهمي.

عقدة البطولة المطلقة
لم يكن نور الشريف ممثلا فقط بل عمل أيضا بالإخراج والإنتاج وحتى تقديم البرامج، وعلى ذلك لم يهتم يوما بالألقاب، ولم يحتج أكثر من اقتران اسمه بكلمة "فنان"، لكن الأهم أنه لم يعان من عقدة البطولة المطلقة، فجاء رهانه الدائم على "الحدوتة" التي كان يراها الأكثر خلودا.

لذلك لم يخش البطولات الجماعية ولم تعتمد موافقته على الاشتراك بالعمل على حجم الدور أو كم الإيرادات المتوقعة منه، وإنما كان يختار الأدوار التي تناديه ليتحدى نفسه من خلالها.

لذلك جاء تاريخه يضم أدوارا مثل: تاجر المخدرات، والشاب الثوري، ولاعب الكرة القروي، والمدرس صاحب المبادئ، ورجل الأعمال العصامي أو الوصولي، والشخص المزواج، والجاسوس، وابن الطبقة الكادحة.. إلخ. كذلك لم يخش أداء السير الذاتية فقدم: "ناجي العلي"، و"عمر بن عبد العزيز"، و"هارون الرشيد".

ليست السينما فقط
إحدى مميزات نور الشريف نجاحه في إثبات نفسه بين جنبي السينما والدراما، مع إدراكه الفارق بين جمهور الاثنين، فجاءت أعماله الدرامية مختلفة بنوعيتها ورسالتها عن أفلامه، إذ قدم المسلسلات الدينية والتاريخية والاجتماعية ومنها: "القاهرة والناس"، و"الثعلب"، و"لن أعيش في جلباب أبي"، و"عائلة الحاج متولي"، و"الحرافيش"، و"الدالي".

وبالطبع لم ينس المسرح الذي شهد بداياته، وإن جاء عدد مسرحياته محدودا لكنها ظلت أعمالا قوية، مثل: "القدس في يوم آخر"، و"يا غولة عينك حمرا"، و"الأميرة والصعلوك"، و"يا مسافر وحدك".

التكريمات والجوائز
وكما يليق بتاريخ بهذا الحجم، توجت رحلة نور الشريف الفنية بالتكريمات، ومن الجوائز التي حصدها: جائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لعام 1977، وجائزة القدس للثقافة والإبداع تقديرا لما قدمه للسينما العربية.

كذلك نال جائزة التمثيل الذهبية من مهرجان نيودلهي عن "سواق الأتوبيس"، وجائزة أفضل ممثل عن دوره في "ليلة ساخنة".

أما آخر أفلامه "بتوقيت القاهرة"، فحصل عنه على جائزة أفضل ممثل لعام 2015 من مهرجاني: مالمو للسينما العربية في السويد، ومهرجان وهران للفيلم العربي.

حبيبها دائما
المحطة الأخيرة التي لا يمكن ذكر نور الشريف دون الإشارة إليها هي قصة الحب التي جمعته بالفنانة بوسي منذ الستينيات، ورغم الفوارق بينهما وإصرار أهلها على الرفض، فإنهما تزوجا عام 1972، وهو ما جاء موازيا لمشوار فني جمعهما عبر أعمال مشتركة، أشهرها فيلم "حبيبي دائما".

لتظل قصتهما الأجمل والأبقى في الوسط الفني حتى بعد انفصالهما عام 2006، إذ بقيت علاقتهما وطيدة ومحترمة كصديقين ورفيقي عمر، قبل أن يعودا لبعضهما في 2015 قبل شهور قليلة من وفاة نور الشريف، كما لو أن النجمين قررا تبادل الأدوار، ففيما ماتت بوسي على ذراعيه في السينما، توفي هو بين أحضانها في الحقيقة.

المصدر : الجزيرة