"ظريف الطول".. العودة بعد طول غياب

الفنان أبو عصبة في المرحلة النهائية من صنع تمثال "ظريف الطول" بأدق التفاصيل (الجزيرة)
الفنان أبو عصبة في المرحلة النهائية من صنع تمثال "ظريف الطول" بأدق التفاصيل (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

من غربته عاد "ظريف الطول" ليس قصة محكية أو قصيدة مغناة كما درج ذلك على ألسن الفلسطينيين، إنما حضرت شخصيته الجدلية بكل عنفوانها في تمثال حديدي جسده واقعا.

على مر أزمنتهم لم يُسقط الفلسطينيون حكاية "ظريف الطول" من ذاكرتهم، فهو الشاب الوسيم والفلاح المحب لأرضه والمستميت دفاعا عنها، ورسخ التناقض في شخصيته حضوره أكثر.

وعند الفنان التشكيلي الفلسطيني موسى أبو عصبة حضر "ظريف الطول" بشخص الفلاح المثابر، فطوَّع الحديد الثقيل ليصنع تمثالا يُعد الأول نوعا وحجما ومضمونا.

شهران من العمل، وصل فيهما أبو عصبة الليل بالنهار لينجز تمثاله ويضع فيه أدق التفاصيل، فبدأ بالقمباز (لباس الفلاح الفلسطيني) وأجزائه المختلفة، بدءا بـ"الشكلة" (الثنية) وحزام الوسط واستواء التهديبة (إطار القمباز) وبضعة قروش تظهر بجيبه.

دقة الحضور
يظهر ظريف الطول، كما أراده أبو عصبة، بملامحه الفتية وبنية الجسد القوية، وهو يحمل بيده شاعوب الحصاد (مذراة) ويعتمر كوفيته الفلسطينية المزدانة بعقد كروية وشراشيب (خيوط) بارزة تتدلى من عقال الرأس لتظهر الجسد بكامل هيبته.

هذه الدقة في التصميم لم تُنقل عن قالب مطبوع وجاهز، بل هي ما اختزن في ذاكرة الرجل وجال في خلده ليسقطه واقعا، فعمره الخمسيني وعيشه فلاحا جعلاه ملمّا بكل تلك التفاصيل، ولم ينس رسغ اليد والأصابع وحتى شرايين الرقبة والحنجرة.

بدا أبو عصبة منهمكا وهو يعد التمثال داخل مصنعه، يخلو المكان إلا من صوت المطرقة ومقص الحديد ولهيب النار المنبعث من عبوة الأكسجين، وبعض من أصدقائه الذين ما انفكوا يتفقدون العمل بانتظار إنجازه كاملا، لينصب وسط قريتهم برقة قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية.

هم أيضا يشعرون بعظمة العمل الفني ويلتقطون الصور بجانب "ظريف الطول"، ويساعدون صديقهم بنقله من مكان لآخر، فوزنه يفوق 150 كيلوغراما وارتفاعه يبلغ 220 سنتيمترا.

ورغم أنه العمل الأول الذي ينجزه الفنان أبو عصبة لشخصية يعترف بأنها "مبهمة"، حسب وصفه للجزيرة نت، فإنه عكس وبقوة الشخصية الحقيقية لظريف الطول، إذ يخبره كل من يزوره بذلك.

ويقول "منذ صغري أمارس الفن التشكيلي بالرسم والنحت والكاريكاتير، ولكني لم أشارك بها علنا في أي عمل فني لظروف لا أزال أجهلها حتى اللحظة".

ارتباطه بالأغنية
وتزامنت فكرة العمل الفني مع مشروع ترميم وتأهيل تشهده قرية أبو عصبة لا سيما الحي القديم منها، حيث تداول وأصدقاؤه الموضوع، وأرادوا حضورا مميزا للفلاح الفلسطيني يتجاوز حالة النسيان.

وظهرت حرفية أبو عصبة باختراعه أدوات تمكنه من إنجاز التمثال في أفضل حالة، فصنع بيده السندان ليدق الحديد فوقه ويثنيه، وأضفى بذلك إبداعا آخرا على عمله.

برفق كان الفنان يزيح بتمثاله وشفتاه تتمتم بأغنية ظريف الطول الأكثر شيوعا بين الفلسطينيين، والدارجة على لسان الصغار والكبار بمختلف مشاربهم الفكرية "يا ظريف الطول وقف تا قولك..رايح على الغربة وبلادك أحسنلك.. خايف يا ظريف تروح وتتملك وتعاشر الغير وتنساني أنا".

و"ظريف الطول" مثل شخصيات أخرى كمحمد العابد الذي ارتبط اسمه بأغاني "العتابا" التراثية وأبي علي بأغاني "جفرا"، تعود أحداثها لما قبل النكبة عام 1948 وإبان الانتداب البريطاني.

فهو رجل شجاع وذو أخلاق وكتوم أيضا، فهو الذي أحبته بنات قرية لجأ إليها وعمل بها نجارا، فنال ثقة أهلها ونالت منه أعين فتياتها حظا، فأرادته كل امرأة بمن فيهن زوجة الشيخ والمختار زوجا لإحدى بناتها.

خلال صناعته التمثال لم يبخل أصدقاء الفنان أبو عصبة بالمساعدة والمشورة (الجزيرة)

أما هو فكان "سره" الغياب المجهول بين الحين والآخر وعدم معرفة أين ينفق ماله، لتتكشف الحقيقة لاحقا ويظهر ظريف مقاوما ويتصدى لعصابات المستوطنين والإنجليز، وتتوالى الروايات تباعا بين رؤية لظريف الطول وهو يقاوم بأماكن أخرى بفلسطين وخارجها، وبين موته أيضا.

لهذا برزت الحكاية وفق القاص والباحث في التراث الفلسطيني حمزة العقرباوي لتوصيف حالة ظاهرة "ظريف الطول" المبهمة، وهذا "إسقاط" استخدمه الكثيرون في تطويع الشخصية المجهولة و"الأسطورة" عبر قصص وحكايات وأغان وغيرها، "وهو محاولة جيدة لخدمة ذاكرة الأجيال".

وكانت الأغنية "ظريف الطول" أنجح، في رأي عقرباوي، لأن المجموع الفلسطيني تلقف هذه الأغنية وأسقط عليها الزمان والشخوص و"حوَّلها لرموز مرتبطة بهويته".

أبوعصبة يضع اللمسات الأخيرة (الجزيرة)

موروث شعبي
وتداول الناس قصة "ظريف الطول" بوصفها جزءا من "الموروث الشعبي"، وهذا الموروث كي يصير شعبيا لا بد أن يفقد زمانه ومكانه، وهذا ما دفع الحكواتيين -يقول عقرباوي- إلى "عقلنة الأسطورة" وتقديمها بشكل محكي للناس بواقعها الأصلي أو بغير ذلك، "فالمهم الرسالة من ذلك".

وهذه الرسالة كما يراها الروائي الفلسطيني سليم دبور هي من ألصق صفة "الديمومة" بحكاية "ظريف الطول" بشكل أو بآخر، وبالتالي ذاع صيتها في النُبل والخلق والشجاعة لدحر الاحتلال والحفاظ على الأرض، وهو ما يحتاج الفلسطينيون سماعه باستمرار.

ويرى دبور أن قصة "ظريف الطول" وظفت في الماضي في الحكاية والأغنية لتخدم عصرها، وهي اليوم تجسد بهذا التمثال لتظل تقدم المعنى نفسه المنشود منها وهو الحفاظ على التراث. 

وتكمن جمالية "ظريف الطول" بواقعية قصته وحقيقتها، وهو ما يتفق عليه دبور وعقرباوي، لكن الخلاف يدور حول شخصه لا شخصيته والأحداث التي أسقطت عليها لتقديم العبرة.

بعلمه هذا يدق الفنان أبو عصبة ناقوس الخطر لدى الجهات الثقافية والفنية الفلسطينية بكل عناوينها، وهمه أن يرى أعماله وحلمه متجسدين بكل مكان بفلسطين، وليس في قريته فحسب، بشخصية ظريف الطول أو بغيرها.

المصدر : الجزيرة