من عبد المطلب إلى مجدي شطة.. هل ما نسمعه اليوم "أغاني شعبية"؟

أثار انتشار المطرب الشعبي مجدي شطة سؤال ماهية الأغنية الشعبية في مصر (الإعلام المصري)
أثار انتشار المطرب الشعبي مجدي شطة سؤال ماهية الأغنية الشعبية في مصر (الإعلام المصري)

شريف حسن-القاهرة 

في ظل انتشار المطرب الشعبي مجدي شطة على مواقع التواصل الاجتماعي، وظهور الموسيقار والناقد حلمي بكر المعتاد مع كل مطرب أو ظاهرة غنائية جديدة وكأنه يملك صك الأغاني والقوالب الموسيقية، برز تساؤل: هل ما يقدمه المغني مجدي شطة يقدم القالب الموسيقي نفسه للأغنية الشعبية؟ أم هل يقدم نفس ما قدمه محمد عبد المطلب أو محمد رشدي أو حتى أحمد عدوية وحسن الأسمر؟ وبدا هذا السؤال ملحّا للبحث عن إجابات له، فهو يفتح المجال لنتساءل عن ماهية الأغنية الشعبية بعيدا عن أي تقييمات فنية ونقدية لما يقدمه الجميع.

جذور الأغنية الشعبية
في البداية كان الفلكلور الشعبي (Folk music) الجذر الأساسي للأغنية بشكل عام قبل بدء تصنيفها أغنية شعبية أم لا، فأغلب الطقطوقات ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لها أصل تراثي، ومع تطور شكل الطقطوقة، المنبع الأصلي للأغنية المصرية والتراثية، بدأ يظهر التفكير حول لماذا لا نصنع أغنية خاصة بنا؟ لماذا لا نستخدم مفردات تستخدم في تلك الفترة؟ أغنية ممتدة من مطرب الجوال في الريف المصري، لا بالكلمات فقط ولكن على اللحن أيضا أن يكون سلسلا ومعتمدا على الموسيقى الشرقية بشكل كامل، وبالتحديد على الموسيقى المصرية.

كان مسرح بديعة مصابني أهم حقل تجارب للأغنية الشعبية، فبدأ يظهر مطربون جدد يغنون هذا الشكل الغنائي مثل عبده السروجي وعبد الغني السيد وإبراهيم حمودة ومحمد عبد المطلب وكارم محمود وعباس البليدي وحورية محمد ودرية جلال وحورية حسن وسعاد مكاوي محمد فوزي، وشعراء يكتبون العامية المصرية والزجل المصري، وملحنون قادمون من داخل الأجواء الريفية والشعبية.

الخروج من عباءة الفلكلور
كمثال بسيط على التطور، يمكننا من متابعة مسيرة عبد المطلب أن نفهم فكرة تغيّر شكل الأغنية الشعبية، فعبد المطلب في العشرينيات قدّم أغنية "وديني على بلد المحبوب" من ألحان داود حسني، وهي الأغنية المتأثرة بالفلكلور بشكل واضح في الكلمات واللحن وحتى طريقة غناء عبد المطلب، ثم التطور الواضح في أغنية "بتسأليني بحبك ليه" من حيث الخروج من عباءة الفلكلور، وتقديم أغنية شعبية جديدة مع الملحن محمود الشريف في بداية الثلاثينيات.

كان ازدهار الإذاعة بجانب السينما عاملين مهمين في انتشار الأغنية الشعبية لما تتضمنه من رقص واستعراض كامل، وتم جلب ما يحدث في صالات الغناء إلى السينما في شكل استعراضات، وفي الإذاعة على شكل أوبريت.

وتأكيدا على مفهوم الأغنية الشعبية القادمة من الفلكلور كما أوضحنا سابقا، تظهر جليا في "الإسكتشات" التي كانت تقدم في السينما، وتحمل أشكالا غنائية عديدة، تارة مصرية فنجد الصعيد والإسكندراني والدلتا، وتارة أخرى نجد استعراضات تتضمن غناء مصريا وشاميا وبدويا وسودانيا، وأحيانا نجد أشكالا غنائية أخرى خارج حدود الموسيقى الشرقية والعربية ولكن يتم تطويعها مع الموسيقى الشرقية، كل ذلك قائم على الموسيقى الشعبية الأشهر في تلك البلاد والمناطق، وبعض المفردات واللهجات.

الكل تفاعل مع الأغنية الشعبية في ذلك الوقت، لأنها أغنية مصرية كاملة الهوية والخصوصية، لم تتأثر بأي قوالب غنائية خارجية تركية أو شامية، فغنى الجميع فنا شعبيا، فعبد الوهاب غنى "تراعيني قيراط أراعيك قيراطين" و"محلاها عيشة الفلاحة"، وأم كلثوم التي رفضت في البداية أن تغني على بلد المحبوب وغناها عبده السروجي، تراجعت عن قرارها وغنتها بعد ذلك لما أدركته من جماليات اللحن وأهمية غناء ذلك الشكل، وسنجد بعد ذلك أغنية مثل "قولي ولا تخبيش"، وهي أغان قائمة على تيمة شعبية في الكلمات واللحن، قائمة على الفلكلور حتى وإن تمت إعادة كتابتها وإضافة تعديلات على اللحن الأصلي، كـ"سلم علي"، أو إضافة تنويعات على التيمة واللحن نفسيهما.

إشكاليات الأغنية الشعبية
مع نهاية الأربعينيات، حققت الأغنية الشعبية مكانة لا خلاف عليها، وأصبح لها شكل واضح من الكلمات وطريقة الحكي المختلفة عن الأغنية العادية أو القصيدة، حتى قبل ثورة 52 كانت الإذاعة تذيع أغاني شعبية جديدة، مثل أغنية "قولوا لمأذون البلد" التي قدمها المطرب الصاعد في ذلك الوقت محمد رشدي.

ومع ثورة 52، كان هناك تغير واهتمام أكثر بالأغنية الشعبية، وبدأ ظهور الأغنية الفلكلورية، إما بتقديمها في ثوب جديد كما كان يفعل بليغ حمدي وأحيانا الموجي، وإما بتقديم مطربين شعبين من القرى والمحافظات والنجوع على يد الأستاذ زكريا الحجاوي، وإعادة تقديم القصص الشعبية والملاحم، مثل أدهم الشرقاوي وحسن ونعيمة وشفيقة ومتولي وغيرهم من القصص، كانت صحوة فنية شعبية، تأكيدا على عودة الأراضي والفلاحين لدولتهم وخروج الحكم الملكي، كان بتأكيد من إعادة تقديم الأغنية الشعبية، مع التركيز على فكرة البطل المخلص المنقذ.

من أشهر الإشكاليات في عالم الأغنية الشعبية هي تصنيف الأغنية شعبية أم لا، وتوقف ذلك على الأداء بجانب الكلمات واللحن. فالأداء عنصر هام جدا في تقديم الأغنية الشعبية، العديد من الأغاني التي غناها مطربون عاطفيون، ثم أعاد تقديمها مطربون شعبيون أو العكس، كانت كلماتها وألحانها شعبية الطابع والمذاق، وستجد أن المطربين الشعبيين أضافوا نكهة شعبية خاصة للأغنية، مثل غناء عدوية لأغاني عبد الحليم مثل "خسارة خسارة" أو "حلو وكذاب"، وغناء حليم ومحمد قنديل لأغنية "يا رايحين الغورية"، والاختلاف كبير بين النسختين، والأداء الشعبي المثالي لقنديل عن عبد الحليم بالطبع.

إذن مواصفات الصوت والأداء عنصر هام في تقديم الأغنية الشعبية، ففي الثلاثينيات والأربعينيات كان المطرب قادرا على تقديم الشكل الشعبي والطربي أيضا، مثل كارم محمود وعبد الغني السيد، وتدريجيا أصبح المطرب مهتما أكثر بالتركيز على مكانة واحدة، بجانب أن الأصوات أصبحت محدودة الطرب في القصائد والأدوار، رغم قدراتها المهولة على الغناء الشعبي والموال، مثل عبد المطلب وشفيق جلال ومحمد رشدي وعدوية.  

دائما هناك شكلان للأغنية الشعبية، ستجد شريفة فاضل، وأيضا بدرية السيد وشفيقة، حسن الأسمر ومجدي طلعت ورمضان البرنس، ستجد شفيق جلال وفي المقابل أنور العسكري وعبده الأسكندراني، يقدمان الشكل الموسيقي نفسه.

ولكنْ هناك اختلاف يثير التميز والخصوصية، ويقدم شكلا واضحا وشاملا للمكان والزمان، لم يختلف الأمر بعد ذلك، فاستمر الطرفان في تقديم ما تدل عليه هويتهما، وبدأت تقل المسافات بين الساحتين بسبب السينما ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن تظل الأغنية الشعبية محتفظة بهويتها، وهوية متجسدة في مفرداتها وألحانها وطريقة غنائها، ولكل فترة هويتها، إذن لا يمكن المقارنة بين مجدي شطة وعبد المطلب أو غيره، يمكنك نقده أو رفضه على حسب وقته، لكن يظل الجميع يسبح في عالم الأغنية الشعبية.

المصدر : الجزيرة