عمار الشريعي.. الغواص الباحث والمدقق والمتأمل في بحر النغم
عـاجـل: بدء جلسة إحاطة حول إيران لقادة الكونغرس الأميركي

عمار الشريعي.. الغواص الباحث والمدقق والمتأمل في بحر النغم

لم تؤثر دراسة الشريعي في بريطانيا على لغته أو طريقة تقديمه لبرامجه الإذاعية (الجزيرة)
لم تؤثر دراسة الشريعي في بريطانيا على لغته أو طريقة تقديمه لبرامجه الإذاعية (الجزيرة)

عبد الله غنيم-القاهرة

إذا سمعته أو رأيته يتحدث حسبته صديقا قديمًا، بابتسامته الودودة وخفة ظله الحاضرة دومًا، خاصة مع مقدمته الشهيرة "أصدقائي المستمعين، مساء الخير، أهلا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج "غواص في بحر النغم"، حلقة نستمع فيها، نبحث، ندقق، ونتأمل".

هكذا اعتاد الموسيقار الراحل عمار الشريعي تقديم برنامجه الإذاعي "غواص في بحر النغم" من إعداده وتقديمه، والمذاع عبر أثير إذاعة "البرنامج العام" المصرية، التي شكّلت الثقافة الموسيقية لعديد من المستمعين العرب، خاصة بعدما انتقل برنامجه إلى التلفزيون في زمن الفضائيات.

في برنامجه، اعتاد الشريعي منذ أولى حلقاته في 1988 أن يشرح لجمهوره لماذا يحبون الأغنيات بأكثر طرق الشرح سلاسة وبكثير من الود والمحبة، إذ استعان عمار الشريعي في برنامجه بثقافته الموسيقية الواسعة.

ورغم دراسته الأكاديمية للموسيقى الكلاسيكية في الجامعة الملكية البريطانية، فإن هذه الدراسة لم تؤثر على لغته وطريقة تقديمه لبرنامجه الإذاعي الموجه للمستمع العادي غير المتخصص في الموسيقى، إذ اعتمد بخفة ظله على تقديم وشرح القصائد الغنائية بلغة عربية سليمة، لإظهار جماليات كلماتها المغناة، قبل أن يشرع في تفصيل وتحليل موسيقاها وخيارات ملحّنيها، ويبرز قدرات مغنيها في غنائها، مما جعل برنامجه بمثابة درس موسيقي مكثف كل أسبوع.

البرنامج ليس الوحيد الذي قدمه الموسيقار والملحن عمار الشريعي، إذ قدّم برنامجا تلفزيونيا بعنوان "سهرة شريعي"، كما سار على درب الملحن الراحل سيد مكاوي وقدّم برنامج "المسحراتي" للتلفزيون المصري، وبرنامجا إذاعيا آخر لإذاعة راديو مصر "مع عمار الشريعي"، ليصبح الملحن المصري الوحيد الذي يقدم أربعة برامج خاصة بالموسيقى، فقد كانت الموسيقى تمثل كل حياته، بأدوار عدة إن كان عازفًا أو ملحنا أو إعلاميًا أو حتى مبتكرًا.

في مدينة سمالوط ولد الموسيقار عمار الشريعي يوم 16 أبريل/نيسان 1948 كفيفًا، لأب ينحدر من أصول تركية وأم صعيدية، وهناك تعلّم أساسيات التجويد والقرآن، ثم بدأ العزف هاويًا على البيانو الضخم في بيت جدته التركية، ثم عازفًا متخصصا بآلة الأكورديون في الإذاعة أثناء دراسته التي أنهاها ليسافر إلى بريطانيا ليبدأ الدراسة الموسيقية الأكاديمية بالجامعة الملكية البريطانية.

وتابع دراسته للتأليف الموسيقي بمعهد "هادلي سكول" الأميركي لتعليم المكفوفين. وكان محبًا للتعليم أيضًا، فقد ساهم مع مؤسسة "دانسنج دوتس" في إنتاج برنامج "غود فيل" (Good Feel) لمساعدة الموسيقيين المكفوفين، الذي يحوّل النوتات الموسيقية التقليدية إلى نوتات موسيقية بارزة بطريقة برايل، كما طلبته شركة "ياماها" اليابانية لإنتاج الآلات الموسيقية الإلكترونية ليعاونها في إدخال النغمات الشرقية الجديدة إلى آلاتها الكهربائية "كي بورد" و"أورج".

انضم الشريعي إلى الفرقة الماسية بقيادة الملحن صلاح عرّام عام 1975، عازفًا للأكورديون، ثم قدّم أولى ألحانه "امسكوا الخشب" للمطربة مها صبري، ولحّن أغنيات "بنت الأيام" و"السمان والخريف" بطلب من المخرج نور الدمرداش، حتى جاء لحن "أوى من الأيام" للمطربة شادية، ليبدأ رحلة طويلة وحافلة بالألحان والأغنيات والألحان الدرامية أو الموسيقى التصويرية لعديد من الأفلام والمسلسلات.

أشهرها فيلم "البريء" الذي غنى أغنياته أيضًا، وفيلم "أحلام هند وكاميليا"، ومسلسلات مثل "الأيام" و"رأفت الهجان" و"هو وهي" و"أم كلثوم" و"العندليب" و"أوبرا عايدة"، كما لحّن أوبريت "اخترناه" الشهير خلال ولاية الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والذي اعتذر عنه عقب قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، التي شارك فيها ودعّم شبابها عبر عدد من المداخلات التلفزيونية في الوقت الذي كانت الثورة فيه محط هجوم عدد من المشاهير ورموز النظام السابق.

عن موسيقى فيلم "البريء"، حصد الشريعي جائزة مهرجان "فالنسيا" الإسباني عام 1986، كما حصل على وسام التكريم من الدرجة الأولى منحها له السلطان قابوس بن سعيد بسلطنة عمان مرتين عامي 1992 و2005، ووسام التكريم من الطبقة الأولى من ملك الأردن عبد الله الثاني، ومن مصر حصل على جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2005.

رحل عمار الشريعي في ديسمبر/كانون الأول 2012 عن 64 عامًا بعد مسيرة موسيقية حافلة امتدت نحو 42 عامًا من التعلم والتعليم والتلحين والتكريم.

المصدر : الجزيرة