شارلي شابلن.. المبدع اليساري المطرود من أميركا
عـاجـل: قائد الحرس الثوري الإيراني: لن نبدأ أي حرب وأخطاء الأعداء في الحسابات ستحول إستراتيجيتنا من دفاعية إلى هجومية

شارلي شابلن.. المبدع اليساري المطرود من أميركا

ابتكر شارلي شابلن شخصية "الصعلوك" التي أصبحت عقب ذلك علامته المميزة (مواقع التواصل)
ابتكر شارلي شابلن شخصية "الصعلوك" التي أصبحت عقب ذلك علامته المميزة (مواقع التواصل)

حسام فهمي

لم يكن شارلي شابلن مجرد سينمائي عظيم ساهم بشكل قد يكون الأكبر في جعل السينما فنا جماهيريا مؤثرا في ملايين البشر، وذلك من خلال أفلامه الصامتة التي نقل بها السينما من مجرد وسيط بصري لعرض الصور المتحركة إلى وسيط يسحر الناس بسرد حكايات عن حيوات أخرى لم يروها، ولكنه كان أيضا إنسانا منحازا بشدة للفقراء والمهمشين، لدرجة يمكننا معها وصفه بأنه كان يساري الهوى.

في التقرير التالي نتتبع معكم علامات المحتوى السياسي اليساري في سينما شابلن، الذي يمر على ذكرى ميلاده 130 عاما هذا الشهر، كما نركز بشكل خاص على صراعه مع السلطة الأميركية الرأسمالية الذي أدى في النهاية إلى تركه الولايات المتحدة.

ضد الرأسمالية.. الصعلوك المتمرد
هاجر شارلي شابلن من بريطانيا إلى أميركا بحثا عن فرصة في التمثيل. كان هذا في بدايات القرن العشرين، وبعد بداية متعثرة حصل أخيرا على فرصته حينما ابتكر شخصية "الصعلوك" التي أصبحت عقب ذلك علامته المميزة التي يعرفها مختلف البشر حول العالم.

بمشيته المميزة وقبعته وزيه المهلل وشاربه الرفيع، رسم شابلن لنفسه شخصية أثرت في البشر حول العالم من خلال الضحك، أحبوها وحاولوا تقليدها آلاف المرات. لم يكن شابلن ممثلا وحسب ولكنه كان المؤلف والمخرج لأفلامه، بالإضافة أيضا لتأليفه الموسيقى التصويرية المعبرة التي رافقتها.

وبتتبع تلك الشخصية في أفلام شابلن الأولى من "الصعلوك" (The Tramp) عام 1915 إلى "الأزمنة الحديثة" (Modern Times) عام 1936، يمكننا ملاحظة بعض الخصائص المشتركة لسيناريوهات شابلن.

الكرامة صفة رئيسية في شخصية هذا الصعلوك، فرغم المصاعب والكوارث التي يمر بها، والتي يبدو من خلال معظمها أن المجتمع الأميركي الرأسمالي يتفنن في إذاقته صنوف العذاب، فإن هذا الرجل الفقير والمعدم لا يتخلى عن كرامته أبدا، فإذا ما اعتدى عليه شرطي بالضرب مثلا، لا يتردد هذا الصعلوك في رد الصاع صاعين، قد يموت من الجوع ولكنه لا يفكر مرتين قبل مساعدة من هو أضعف منه بكل ما يملك، ولكنه على الجانب الأخر لا يخجل من الاحتيال على السلطة أو المؤسسات الرأسمالية.

كل هذه الملامح اليسارية يمكن تفهمها في ظل الفترة الصعبة التي عايشها شابلن في أميركا، وظهرت بشكل كبير من خلال فيلمه الطويل الأول "الطفل" (The Kid) الذي استلهم فيه ذكرياته الشخصية، كما استمر ذلك أيضا حينما تابع شابلن ارتفاع نسبة البطالة خلال العشرينيات في الولايات المتحدة من بضعة آلاف إلى ما تعدى الخمسة ملايين عاطل.

تمرد شابلن لم يكن فقط ضد الرأسمالية، ولكنه كان أيضا متنبئا بعصر سيطرة الآلة على البشر، كإحدى العواقب الحتمية لزيادة اهتمام البشر بالمادة وتفضيلها على العلاقات البشرية، وقد ظهر هذا جليا في فيلمه البديع "الأزمنة الحديثة" حيث قدم فيه أداءً لا ينسى لتحكم الآلات بالإنسان.

ضد الفاشية.. الدكتاتور العظيم
ومع زيادة شعبية شابلن، قرر أن يعبر عن آرائه السياسية بشكل أكثر وضوحا. في البداية كوّن مع مجموعة من الممثلين شركة "الفنانين المتحدين" (United artists)، وحارب من خلالها ضد نظام الأستديوهات في أميركا، مما يعني أن الأستديوهات المنتجة هي المتحكم الأول والأخير في العمل الفني. وهكذا ومن خلال شركته الجديدة استطاع شابلن أن يحصل على سيطرة كاملة على أفلامه دون متاعب إنتاجية.

بالإضافة إلى هذا أيضا، سارع شابلن إلى التصريحات المضادة للصعود النازي في غرب أوروبا، ولم يفوّت الفرصة لصناعة فيلم ضد النازية في بداية صعود هتلر وقبل أن تنضم أميركا إلى معسكر الحرب العالمية الثانية.

في فيلم "الدكتاتور العظيم" عام 1940، يقدم شابلن للمرة الأولى شخصيتين في فيلم واحد، فبالإضافة إلى شخصية الصعلوك الأيقونية الذي يعمل في هذا الفيلم كحلاق يهودي، يجسد شابلن أيضا شخصية دكتاتور عسكري يشبه هتلر للغاية، ويسخر شابلن هنا من كافة الدعاية النازية التي تسوق لنفسها بكونها قادرة على سحق مجموعة من البشر، وبأنها من خلال ذلك تحقق الرخاء لشعبها.

وفي لحظة تاريخية لا تقل عن لحظة عرض الأخوين لوميير السينمائي الأول عام 1895، ينطق شارلي شابلن للمرة الأولى على شاشة السينما في المشهد الأخير من فيلم "الدكتاتور العظيم"، وذلك من خلال خطاب طويل يخاطب فيه البشرية، يهاجم فيه الفاشيين ويدعو البشر باختلاف أجناسهم وأعراقهم إلى الاتحاد، ويحذرهم من خطر الرأسمالية كما يحذرهم من سيطرة المادة على حياتهم. ليصبح شابلن بهذا الخطاب رسول سلام ومحبة بين البشر، وليس مجرد فنان.

مطرود من أميركا محبوب في كل الدنيا
في سبتمبر/أيلول 1952، غادر شارلي شابلن الولايات المتحدة عائدا إلى بريطانيا على متن باخرة "الملكة إليزابيث". كان سبب الرحلة المعلن هو دعاية شابلن لفيلمه الجديد "السيد فيردو"، لكنه فوجئ على الباخرة بخبر طرده من الولايات المتحدة بدعوى نشاطه الشيوعي، وبأن الطريقة الوحيدة التي ستسمح بها السلطات الأميركية لعودته ستكون إذا ما قدم طلبا إلى مصلحة الهجرة الأميركية للحصول على الجنسية الأميركية، وهو الأمر الذي رفضه شابلن طوال ثلاثين عاما من الحياة في أميركا.

في حقيقة الأمر، لم يعلن شابلن بتاتا عن انتمائه الشيوعي، لكنه كان منحازا بشدة لكل من يحارب الفاشية في العالم، وهو ما فعله الشيوعيون أثناء الحرب الإسبانية ضد فرانكو، وأثناء الصعود النازي في أوروبا. انحياز شابلن للشيوعية جاء أيضا نتيجة انحيازه للفقراء والمطحونين تحت عجلات الرأسمالية المتوحشة في الولايات المتحدة.

وقد يكون تصريح شابلن الأوضح في هذا الصدد هو ما قاله في حوار مع جريدة "دالي وركر" ( Daily Worker) في أكتوبر/تشرين الأول 1942، والذي نقله عقب ذلك موقع "ذا واير" (The wire)، حيث قال شابلن: "أنا لست شيوعيا، لكني فخور بأن أكون مؤيدا وبقوة لما يفعله الشيوعيون اليوم".

لم يحاول شابلن عقب ذلك العودة إلى الولايات المتحدة، بل صرح بأنه لا يريد أن يتعامل مع الأجواء الأميركية المليئة بالكراهية، لدرجة أنه لم يسمح بدخول الصحفيين الأميركيين للعرض الخاص بفيلمه "السيد فيردو".

استمر الأمر هكذا حتى عاد شابلن بعد عشرين عاما، وبالتحديد أثناء حفل الأوسكار عام 1972، حيث منحته الأكاديمية جائزة أوسكار شرفية نتيجة دوره المهم والبارز في جعل فن السينما بالصورة التي أصبحت عليها اليوم.

تسلم شابلن جائزته من نفس البلد التي طردته، واستمر التصفيق وقوفا لمدة تزيد على العشرين دقيقة، بدا فيها شابلن متأثرا وعلى وشك البكاء، واكتفى بكلمة "شكرا"، ثم ترك الشاشة، وكان هذا هو ظهوره الأخير حتى توفي عقب ذلك بخمسة أعوام، في ديسمبر/كانون الأول 1977.

المصدر : الجزيرة