سؤال الأرشيف وطيف نجيب محفوظ بمهرجان الإسماعيلية السينمائي

أمل الجمل

ألغى يوسف السباعي جميع المجلات التقدمية ثقافيا وفكريا التي كانت حاضنة لكبار الكتاب والنقاد في الستينيات والسبعينيات بمصر، ثم واصل تضييق الخناق على جمعية نقاد السينما المصرية، وأنشأ جمعية أخرى حاول أن يجعلها صوت مصر في اتحاد النقاد الدولي للصحافة السينمائية لكن طلبه قوبل بالرفض لحسن حظ السينمائيين والنقاد المصريين.

تم استدعاء تلك الوقائع في ندوة عن النقد السينمائي في السبعينيات عقدت أثناء فعاليات الدورة الـ21 من مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة (16-10 أبريل/نيسان) وتناولت العوامل السياسية التي لعبت دورا في تطوير النقد السينمائي والأسباب التي تجعل عقد السبعينيات شديد الأهمية.

"رغم كل ما يحدث في العالم أنا متفائل، فمن خلال الأفلام العديدة التي شاهدتها هنا شعرت أن شيئا ما يحدث في العالم، وأن الأمل مستمر"، هكذا اختتم رئيس مهرجان دوكامينا بالموزمبيق السينمائي بيدرو بيمينلا كلمته في ندوة شارك فيها ضمن فعاليات المهرجان بعنوان "آفاق إنتاج وتوزيع الأفلام التسجيلية في العالم" وشارك فيها لفيف من السينمائيين المصريين والعالميين.

وناقشت الندوة آليات الإنتاج المستخدمة في الدول المختلفة، وكيف أثر التطور التكنولوجي على تسيير عملية إنتاج الأفلام التسجيلية، والدور الذي لعبته القنوات الفضائية ومنصات الإنترنت في إنتاج الأفلام التسجيلية وتوزيعها، وكيف للمخرجين أن يتقدموا بأفلامهم إلى المهرجانات، وما الذي يجب عليهم معرفته، وكيف يحددون أهدافهم وغاياتهم.
مهرجان الإسماعيلية كرم عددا من الرموز السينمائية والإعلامية (الجزيرة)

وردا على سؤال بشأن سبل جذب الجمهور إلى قاعات العرض السينمائية للاستفادة من الجهود الكبيرة التي تبذل لإقامة مثل هذه المهرجانات، قال المخرج المصري يسري نصر الله إن الأمر لا يقتصر على مهرجان الإسماعيلية، ولكنه يحدث في العالم كله، وإننا بحاجة إلى دور فاعل من القنوات التلفزيونية في توعية الجمهور بأهمية ودور الفيلم الوثائقي.

وأشارت المخرجة والمنتجة المصرية هالة جلال إلى دور قناة الجزيرة الوثائقية في إنتاج وتسويق وترويج الفيلم الوثائقي، وأن تلك القناة لسنين طويلة كانت الوحيدة المهتمة بهذا الشأن الثقافي إنتاجا وعرضا.

وأكد بيدرو بيمينلا على ضرورة البدء بنشر ذلك الوعي مع الأطفال -خصوصا في المدارس- لتربية ذائقتهم وغرس عادة المشاهدة الوثائقية، وهنا تطرق خالد عبد الجليل رئيس المركز القومي للسينما الجهة المنظمة للمهرجان إلى محاولات المركز لنشر الثقافة السينمائية في عدد من المدارس لكنه اكتشف مقاومة إدارات المدارس والقائمين على العملية التعليمية.

حضور الغائبين
توجت دورة المهرجان باسم المخرجة التسجيلية المصرية الرائدة عطيات الأبنودي، حيث كانت إحدى الشخصيات التي تم تكريمها بحضور نخبة من السينمائيين والمثقفين الذين ناقشوا إنجازات هذه المخرجة المشاكسة المناضلة.

وأصدر المهرجان كتابا عنها بعنوان "سفيرة الغلابة"، وعرض فيلمها "ساندوتش".

وقرر خالد عبد الجليل رئيس المركز القومي للسينما المنظم للمهرجان إنتاج فيلم تسجيلي عن حياة عطيات الأبنودي.

ومن بين المكرمين الراحل أسامة فوزي الذي أنتج فيلم "الأقزام قادمون" إلى جانب إخراج أربعة أفلام، منها عملان على الأقل من أهم أفلام في تاريخ السينما المصرية هما "جنة الشياطين"، و"بحب السيما"، وقد عرض له المهرجان فيلم "إنساني.. إنساني جدا" من إنتاج قناة الجزيرة للأطفال، وصدر عنه كتاب بعنوان "الرجل الذي عاش مرتين".

جانب من الحضور الذي شهده مهرجان الإسماعيلية في دورته الـ21 (الجزيرة)

كما كرمت المخرجة اللبنانية جوسلين صعب وابن بلدها المخرج وكاتب السيناريو برهان علوية الذي تم إصدار كتيب عنه بعنوان "برهان علوية.. سيرة مناف وحكايات غير منتهية" من إعداد الناقد اللبناني نديم جرجورة.

ويرقد علوية مريضا في المستشفى مما منعه من حضور تكريمه بالإسماعيلية، لكن ذلك لم يمنع من الاحتفاء به، وعرض أحد أهم أفلامه "لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء" الذي يكاد يكون التصوير الوحيد مع المعماري المصري المهم حسن فتحي.

وتم أيضا تكريم مدير التصوير المصري سعيد شيمي الذي تعد أفلامه من علامات السينما المصرية والتي تتمثل في 108 أفلام سينمائية، وكان أول من أدخل التصوير تحت الماء في مصر، وقدم سعيد للمكتبة السينمائية 28 كتابا، آخرها "تلابيب الصورة"، وكتابه "خطابات ورسائل محمد خان" في جزأين.

ومن بين الإصدارات المثيرة للجدل في المهرجان كتاب "نجيب محفوظ بختم النسر" للكاتب الصحفي طارق طاهر الذي رصد عددا من الخطابات الرسمية لأديب نوبل التي تشي بأنه كان يؤدي دور الموظف بالتزام شديد وبحرص زائد عن الحد وبدقة صارمة، وأنه لم يكن يدخل في معارك حتى لو خسر أو ظلم، وحتى عندما سحبت منه الترقية الوظيفية لصالح شخص آخر لم يحتج محفوظ، واكتفى برسم ملامح هذا الزميل في رواية "المرايا".

وعندما تحدث الحضور لمناقشة المؤلف أكدوا على أن نجيب محفوظ كان يقاوم الفساد، وكان بعيدا عن التورط فيه بأي شكل من أشكاله، لكنه عندما عمل في قسم الرقابة كان رقيبا متشددا متحفظا لدرجة أن ذلك بدا متناقضا مع سلوك المبدع الحر، وهو ما أكده الناقد السينمائي كمال رمزي عن واقعة حذف من أحد الأفلام على يديه، كما تحدث السيناريست عاطف بشاي عن تجربة مماثلة معه.

وبإمكان كل من يطلع على ملفات الرقابة على المصنفات الفنية في عهد نجيب محفوظ أن يلاحظ أنها وثيقة تؤكد دوره الرقابي المتعسف والمتناقض مع روح وشخصية المبدع.

مهرجان الإسماعيلية شهد عرض كتب تتعلق بالشأن السينمائي وبعدد من رموزه مصريا وعربيا (الجزيرة)

قضية الأرشيف مجددا
وأثار تكريم الإعلامية والمخرجة التلفزيونية فريدة عرمان في مهرجان الإسماعيلية قضية الأرشيف والتوثيق مجددا، وهو ما يصب في اهتمام رئيس المهرجان عصام زكريا منذ دورة العام الماضي، إذ أبدى اهتماما كبيرا بالتوثيق وإعادة طباعة أعداد مجلة "السينما والتاريخ" التي كان وراء إصدارها شيخ النقاد والمؤرخين العرب الراحل سمير فريد، إلى جانب بداية التوثيق للنقد السينمائي في مصر عبر عقود، وهو ما استمر هذا العام بحلقة بحث عن النقد السينمائي في السبعينيات.

وتفجرت قضية الأرشيف والتوثيق مجددا، وطالب زكريا بإصدار بيان ومواصلة جهود جمع تراث السينما التسجيلية المصرية، خصوصا عقب عرض فيلم "أفراح مصرية" (1983) لفريدة عرمان الذي لوحظ أثناء عرضه بأنه منقوص، وهو ما فجر موضوع ضياع كثير من تراث هذه المخرجة.

وأفصح بعض الحاضرين -ومنهم أختها السيدة إيمان التي عملت مساعدة معها- عن أن الأشرطة الرقمية التي نقلت عليها مواد الأفلام السينمائية قد أعيد استخدامها وتسجيل مواد أخرى عليها، مما يشي بكارثة أرشيفية في مكتبة التلفزيون المصري.

وقدمت عرمان لمكتبة التلفزيون نحو 400 فيلم تسجيلي، منها أغان وطنية، وصورت أول أغنية فيديو كليب وكانت لفنان الشعب سيد درويش "أنا هويت وانتهيت"، واستعانت بالفنان سيف وانلي ليرسم لوحاته على فن الباليه فمزجت بين الفن الغربي والموسيقى الشرقية، واعتبرها البعض رائدة في الجمع بين الروائي والوثائقي.

ويوثق شريط "أفراح مصرية" للحفلات في جنوب البلاد والإسكندرية ودمنهور والسويس والوادي الجديد، إذ لجأت فيه إلى مشاهد بصرية متخيلة قام بها الفنان يحيى الفخراني بصحبة طفليها بسام، وجميلة إسماعيل التي صارت ناشطة سياسية ومذيعة شهيرة.

المصدر : الجزيرة