"قناوي" يوسف شاهين يتسبب في كارثة محطة مصر

شكل فيلم "باب الحديد" جزءا من ملامح الكارثة التي وقعت في محطة مصر الأسبوع الماضي (مواقع التواصل)
شكل فيلم "باب الحديد" جزءا من ملامح الكارثة التي وقعت في محطة مصر الأسبوع الماضي (مواقع التواصل)

أسامة صفار

عاد قناوي (مجنون يوسف شاهين) الأسبوع الماضي رغم إدخاله إلى مصحة عقلية في عام 1958 وكرر سيناريو الكارثة التي أنقذ "عم مدبولي" محطة مصر منها قديما فأحدث دمارا مضاعفا وأهدر الأرواح وبلغ شره أقصى مداه، إذ تعاون مع الفساد والفاسدين والإهمال والمهملين، في حين يقف المحامي التائب "مصطفى خاطر " في فيلم "ضد الحكومة" باكيا في قاعة المحكمة مرددا استغاثته الشهيرة للقاضي الغائب عن المشهد "أنا ومعي المستقبل نلوذ بكم فأغيثونا" دون أن ينتبه إليه أحد.

ولا يكتفي فيلما "باب الحديد" 1958 للمخرج يوسف شاهين، و"ضد الحكومة" 1992 للمخرج عاطف الطيب بتشكيل ملامح الكارثة التي وقعت في محطة مصر بالقاهرة الأسبوع الماضي وأدت إلى مصرع وإصابة العشرات من المصريين.

ولكنهما يحكيان معا قصة انتحار مجتمع عاش فيه شاهين حاملا شعلة الأمل لكن تلك الشعلة تلقاها الطيب وهي تنطفئ، وبينما استطاع عجوز يوسف شاهين إنقاذ المحطة في اللحظة الأخيرة من "المجنون" فإن كل طموحات عاطف الطيب في فيلمه هي محاكمة القتلة والفاسدين بعد أن حدثت الكارثة.

كان الممثل المصري أحمد زكي أو المحامي التائب في فيلم "ضد الحكومة" لسان لمستقبل يرتعد خوفا من تفشي الفساد في المنظومة الحكومية المصرية، وهو ما أدى إلى اصطدام قطار بأتوبيس ووفاة وإصابة عشرين طفلا، بينهم ابنه.

ولخص زكي مطالباته للمحكمة باعتباره ممثل الضحايا في محاكمة المجرم الحقيقي وليس سائق الأوتوبيس أو القطار وإنما حكومة بكاملها، حرصا على حياة أطفال ورجال آخرين سيحترقون بنار الفساد والإهمال لو لم يعرف القاتل الحقيقي ويحاكم.

و"قناوي" بطل "باب الحديد " الذي قدم شاهين دوره في الفيلم شاب ضعيف البنية محدود القدرات، أصابه جمال الفتاة "هنومة" التي أدت دورها هند رستم، بهوس أدى به في النهاية إلى الجنون، فقتل زميلتها واحتجزها وهدد بذبحها إن لم يتزوجها، لاجئا إلى الجلوس على قضبان القطار في "محطة مصر"، وبينما تمر الدقائق بسرعة البرق ويقترب القطار منهما ويتخيل المشاهد أن كلا من قناوي وهنومة سوف يتحولان إلى قطع لحم بشري صغيرة فإن العجوز "مدبولي" يستدرجه حتى يخرجه من مسار القطار، ثم يتم إرساله إلى مصحة عقلية.

وقدمت السينما المصرية عشرات الأفلام التي تدور أحداثها في قطارات أو محطاتها، خاصة "محطة مصر" أو "باب الحديد" أو "رمسيس"، وكلها أسماء لمكان واحد هو المحطة المركزية الأكبر في أفريقيا لانطلاق القطارات، وتقع في قلب القاهرة، ومن بين تلك الأفلام فيلم "القطار" 1986 للمخرج أحمد فؤاد، و"أنا وأنت وساعات السفر" 1988 للمخرج محمد نبيه، لكن أغلب تلك الأفلام جاءت على شفا الكارثة ولم تجرؤ على تصور حدوثها، لذلك كان المشهد في الكارثة بمحطة مصر أقرب إلى الكابوس.

وبينما أدت العلاقة الطيبة بين البطل المجنون "قناوي" والعجوز الطيب "عم مدبولي" إلى تجنب الكارثة فإن بطل "ضد الحكومة" لم تكن له تلك العلاقات الطيبة لأن ما يقرب من 35 عاما مرت بين صناعة الفيلمين استشرى خلالها الفساد في المجتمع المصري والنظام معا، وتحول إلى منظومة تعيد إنتاج نفسها وتمتلك وقاحة فرض نفسها عبر وزراء وحكومات بل ورؤساء، لذلك لم يلق استجابة تذكر.

والمعروف أن مؤلف قصة فيلم "ضد الحكومة" الكاتب الصحفي وجيه أبو ذكري لم يكن سينمائيا محترفا، لكنه كان صحفيا وكاتبا، وقد استلهم عاطف الطيب والسيناريست بشير الديك فكرة الفيلم من سلسلة تحقيقات قام بها أبو ذكري حول ما أطلق عليه "مافيا التعويضات وحوادث الطرق".

وواجه المخرجان رقابة شرسة ترفض تحذير المجتمع أو إيقاظه من سباته، فتروي الفنانة لبلبة بطلة "ضد الحكومة" خلال تكريمها في مهرجان الأقصر السينمائي عام 2015 أنه تم حذف مشهدين من قبل الرقابة، أولهما مشهد جمعها بمصطفى خلف المحامي "أحمد زكي" خلال أحداث الفيلم بعد إلقاء القبض عليه واحتجازه داخل مبنى أمن الدولة وهي تقوم بتحذيره من بطش ضباط أمن الدولة واعتدائهم المعروف على المتهمين، في نفس الوقت كانت صورة للرئيس الأسبق حسني مبارك معلقة على أحد جدران الغرفة، ففهم منها أن رجاله هم من يقومون بهذه الاعتداءات، فتم حذف المشهد من الفيلم.

وأضافت لبلبة أن المشهد الثاني المحذوف من الفيلم كان يتعلق بالحديث عن الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون في مصر، وتضمن المشهد ظهور لبلبة مع المحامي وهي تقول له "مش هيسيبوك وهينتهكوا آدميتك"، وكان من المفترض أن تروي له تفاصيل ما حدث لها أثناء اعتقالها على خلفية مساندتها للعمال خلال أحداث الفيلم، ولكن تم قص المشهد بعد ذلك.

وجاءت معركة شاهين مع الرقابة أقل عنفا بشأن "باب الحديد"، خاصة أن الرقابة كانت قد وافقت على القصة، لكن وزارة الداخلية أرسلت خطابا إلى الرقيب، الكاتب المسرحي نعمان عاشور في ذلك الوقت، تحثه على رفض التصريح بأفلام تعالج القضايا العمالية، خاصة بعد انتفاضة عمال مدينة كفر الدوار وإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري لقمعها.

وبعد احتجاج شاهين تم السماح بالفيلم، لكن الجمهور لم يقبله لنحو عشرين عاما، واعتبره فاشلا حتى عرض في القنوا ت التلفزيونية وجاء كرابع أفضل إنتاج مصري في موسوعة أفضل مئة فيلم سينمائي في عامي 1997 و2013. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة