الرامي.. حكاية فنان مغربي يقاوم الهدر المدرسي بالألوان

لا يقبل الرامي أي طلبات إلا إذا كان من مؤسسة تعليمية ويفضل أن تكون بالمناطق النائية (الجزيرة)
لا يقبل الرامي أي طلبات إلا إذا كان من مؤسسة تعليمية ويفضل أن تكون بالمناطق النائية (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

متسلحا بريشته، وبفطرته وخياله الواسع أيضا، يطوّع الفنان عبد اللطيف الرامي، من مدينة الصويرة المغربية الساحلية، الألوان بين أنامله لصنع جداريات مدرسية تهفو إليها العين وترتاح لها النفس، هدفه الأسمى منها هو تزيين الفضاء التربوي وجعله جذابا للمساعدة في محاربة الهدر (التسرب) المدرسي.

ودون تخطيط مسبق، يبدأ الرامي بوضع خطوطه الأولى على جدران كل فصل دراسي يدخله، يوزعها على مسافات متباعدة حتى تعدو متناثرة، قبل أن يصلها بالأشكال والألوان كأنه يجمع قطع فسيفساء تبدو في النهاية لوحة فنية رائعة.

يقول الرامي، وهو يضع لمساته الأخيرة على جدارية، للجزيرة نت "أكثر ما يثلج قلبي ويمد السرور في شراييني، أن أرى الفرحة تتلألأ من عيون أطفال صغار بعد كل نهاية عمل فني، وأنا اليوم أستعيد جزءا من طفولتي وأنا أشارك الصغار فرحتهم بعد الانتهاء من أي عمل في تزيين حجرتهم الدراسية".

فقبل أربعين سنة، فقد الرامي إحدى كليتيه في حادث أليم، وتسبب وضعه الصحي آنذاك في إبعاد أصدقاء الطفولة عنه، فلم يجد غير ريشته يبادلها الحب وتعوضه عن مرارة العزلة والانطواء.

يحوّل الرامي المدارس إلى مكان جذاب يسعد الأطفال من خلال جدارياته (الجزيرة)

المدرسة 160
قبل أيام، رسم الرامي في شيشاوة، الإقليم الفتي ذي الطبيعة الجبلية (قرب مراكش)، جداريتيه في المؤسسة التعليمية رقم 160، يقول كمال الرقيق أحد الأساتذة المتطوعين لرسم جداريات في أقسامهم إن "طريقة عمل الرامي توحي من الوهلة الأولى أنه فنان بما تحمل الكلمة من معنى".

ويستطرد في حديث للجزيرة نت "عند اكتمال اللوحة وقفت، كما فعل الآخرون، مذهولا من جمالية المنظر وتأثيره في نفوس ناظريه، فالعمل في فصل دراسي جميل ونظيف بلمسة فنية إبداعية كان من أولوياتي منذ ولوجي لمهنة التدريس".

زار الرامي 160 مؤسسة تعليمية ورسم فيها ويسعى للوصول إلى ألف (الجزيرة)

السفر لأجل الفن
حبّ الرامي للفن جعله يختار مسلك الفنون التشكيلية، لكن ظروفه لم تسعفه في إتمام مشواره الدراسي، قبل أن يقرر وبشكل عصامي مواصلة تعليمه إلى أن حصل على وظيفة في مؤسسة خاصة، تركها طوعا بعد عام من العمل.

لزم الرامي الاشتغال بالرسم في لوحات صغيرة لمدة طويلة، وحدها الصدفة ساقته إلى مؤسسة تعليمية عمومية، ليعمل بها حارس أمن خاص.

يقول الرامي "عندما كنت أعمل حارس أمن، كنت أستغل عطلة نهاية الأسبوع من أجل السفر، لكن مع بداية الموسم الدراسي الحالي قررت أن أتفرغ لعملي الجديد".

خلال عمله، وصل إلى مناطق نائية، ذهب إلى الحدود مع مدينة مليلية، كما سافر إلى المدن الساحلية والمناطق الجبلية، في حين أن رحلته الأخيرة ساقته إلى الصحراء جنوبي المغرب.

رحلاته المتكررة جعلته يمزج بين السفر والفن من أجل تحقيق أحلامه، كما يحكي "أهدافي المعلنة هي تزيين الفضاءات التربوية لمحاربة الهدر المدرسي، لكني لا أنكر أني أجد في السفر متعة أخرى في كرم الضيافة والتعرف على مناظر خلابة حبا الله بها هذا الوطن".

ويضيف "حلمي أن تقوم وزارة التعليم بتبني فكرتي وتعميمها على جميع المؤسسات التعليمية بمشاركة آخرين ليس من أجل صباغة الجدران، ولكن لترك لمساتهم الفنية في نفوس الصغار".

يتمنى الرامي أن تتبنى وزارة التعليم فكرته وأن يشاركه فنانون آخرون (الجزيرة)

جنون وإبداع
كثير من المسؤولين الذين صادفهم الرامي يشاركونه الحلم، وهو مستعد للبدء معهم لتنفيذ خطته، فقد وصف المسؤول بوزارة التربية الوطنية في إقليم شيشاوة عبد الرحمن الكمري خلال حديث للجزيرة نت مبادرة تزيين الأقسام بالعمل الجذاب.

وأضاف الكمري "سيجد البعض أن الفكرة مجنونة، لكن في كل جنون يوجد إبداع، وفي الإبداع يبدأ التغيير المنشود".

اشتهر هذا الفنان العصامي في مواقع التواصل الاجتماعي، فهو ينشر كل جدارية يرسمها على صفحته، كما يتناقلها الأساتذة بينهم في مجموعاتهم الخاصة.

تأتيه الآن الطلبات من كل مكان في المغرب، لكنه لا يقبل أي طلب إلا إذا كان من مؤسسة تعليمية، ويفضل المناطق النائية، على حد تعبيره، ليكمل مسيرته نحو ألف جدارية وجدارية.

المصدر : الجزيرة