مايكل أنجلو مُعلم الجسد البشري

بدأ مايكل أنجلو نحت أول أعماله في حدائق مديتشي (مواقع التواصل)
بدأ مايكل أنجلو نحت أول أعماله في حدائق مديتشي (مواقع التواصل)

سارة عابدين

في وقت ازدهار عصر النهضة الإيطالية، ولد الطفل مايكل أنجلو بوناروتي يوم 6 مارس/آذار 1475، حيث كان أبوه عاملا في محاجر رخام ستيناتو بالقرب من فلورنسا، ولهذا أصبحت محاجر الرخام عالمه الأقرب.

بدأ منذ سن مبكرة استخدام الإزميل لتشكيل قطع نحتية بارعة الوجوه والأجسام، وفي عمر الثالثة عشرة أصبح تلميذا في مرسم الفنان دومينيكو جيرلاندايو، الذي اعتاد على تصوير القصص المقدسة في لوحاته بأسلوب بسيط ويومي، بعيد عن هالة القدسية المعتادة في تسجيل هذا النوع من المشاهد في اللوحات.

بَرع مايكل أنجلو في المهارات التقنية والحيل الفنية، بالإضافة إلى إتقانه فن الرسم، لكنه لم يتفق مع أسلوب أستاذه السهل المتداول، بل بدأ دراسة أساليب الأساتذة السابقين، أمثال جيوتو ومازاتشيو، ودوناتيلو في الأعمال الموجودة بكنائس فلرونسا.

بعد عام واحد مع أستاذه، هجره ليلتحق بمدرسة النحت في حدائق آل مديتشي التي تضم مجموعة من التماثيل اليونانية والرومانية القديمة، ومن خلال دراستها تعرف إلى أسرار تصوير حركة الجسم الإنساني بكامل آثارها على العضلات والعروق، وبدأ دراسة التشريح وتطبيق ما يتعلمه من خلال رسم نماذج بشرية حية.

بدأ مايكل أنجلو في حدائق مديتشي نحت أول أعماله: رأس تمثال جني الغاب "فون" الذي لفت الأنظار إليه، وكان سببا في دعوته من أمير فلورنسا الأمير لورنزو للإقامة في قصره، مع كبار الأدباء والفنانين والفلاسفة الذين صاغو فلسفة المذهب الإنساني في ذلك الوقت.

تفصيل من لوحة "خلق آدم" (مواقع التواصل)


مايكل أنجلو نحاتا
اتسم أسلوب أنجلو في النحت بالتحديد والدقة وتوضيح الإيماءات، وكانت سيطرته على الشكل والرؤية واضحة بقوة، حتى إن منحوتاته كانت ذات قدرة بالغة على النفاذ إلى المشاهدين، بكل تفاصيلها التي لم يغفلها مايكل أنجلو.. وهنا بعض أهم المنحوتات التي تركها للعالم.

تمثال عذراء الدرج عام 1490
التمثال موجود حاليا في كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان، ويعد أول عمل نحتي من الرخام لمايكل أنجلو يجمع بين شخصيتين بالحجم الطبيعي في مجموعة واحدة، متمثلين في المسيح في حِجر أمه، وبالرغم من تلك الوضعية الصعبة، نجح مايكل أنجلو في ضم جسديهما في تآلف وانسجام دون أي تشوهات نحتية أو زوايا حادة.

صوّر مايكل أنجلو السيدة مريم وهي تحتضن جسد المسيح الذي شكلّه على غرار آلهة الإغريق، وتظهر خطوطه كاملة من مختلف زوايا الرؤية، بكتف مرفوع إلى أعلى ورأس متدلية إلى أسفل، وهو ما جعله رمزا فريدا في إثارة الشفقة دون أن تبدو عليه مظاهر الألم.

أما العذراء فلم يجعلها تبكي شأن أمهات الأرض، بل جعل وجهها حزينا صامتا مع يد يسرى مستسلمة، لكن الجسد بالكامل ما زال يحتفظ بالوضعية التقليدية معبرا عن العذراء بكامل جلالها.

تمثال موسى عام 1515
التمثال تظهر فيه سمات واضحة من أسلوبه المبكر الذي يفرط  في تشكيل الطيات والكسرات، بالإضافة إلى ظهور واضح لأسلوبه الأحدث الذي يهتم فيه بإبراز شكل الجسم الإنساني، دون الصقل اللامع الذي يخلق أضواء معكوسة شديدة التأثير على المتفرج.

يشير نقاد الفن ومؤرخوه إلى أن موقع التمثال الحالي في كنيسة القديس بطرس بروما، لا يتجلى فيه الإيحاء الذي انطوى عليه هذا التمثال، خاصة عند النظر إليه من زواية مائلة، بسبب وجوده في كوة شديدة الضيق بالقياس إلى حجمه الضخم. وتم إنجازه في صورة البابا يوليوس "الرهيب"، مُشرع القوانين في ذلك الوقت، كأنه بركان بشري يتهدد العصاة، خاصة بجلسته التي تشبه جلسة قاض فوق منصة القضاء.

مجموعة "لاوكون وأبناؤه" عام 1855
تجلت رغبة مايكل أنجلو في مكافحة الشكل المتداول لمنحوتات عصره من خلال صياغته موضوع الأسرى والمغلولين الذي يعد موضوعا إغريقيا قديما، لكنه أعاده برؤية جديدة في المجموعة النحتية "لاوكون وأبناؤه" المعروضة حاليا في الفاتيكان، والتي تصور صراع لاوكون -كاهن أبولو- ضد الأفاعي الضارية التي أطلقتها الآلهة المناهضة له ففتكت به مع أبنائه.

من خلال تماثيل الأسرى المقيدين، يؤكد مايكل أنجلو على إبراز العضلات المتوترة بصفتها باعثة للحركة المهددة بالتخلص من الأغلال، ويتجلى الانفعال بقوة في أجسادهم التي تكافح للتحرر من الأفاعي التي تحاصرها، لذا جاءت الوجوه تحمل تعبيرات درامية مبالغا فيها.

مايكل أنجلو مصورا ورساما
كان أحد أهم أهداف مايكل أنجلو في الرسم هو تسجيل أقصى درجات الحركة في أضيق مساحة متاحة، مما يؤكد على المعنى التشكيلي الحقيقي لتطويع الصورة، ولم يكن غير الجسد الإنساني في نظره يستحق التمثيل والتسجيل، وكان عنصر الحركة والقيمة اللمسية صفتان فنيتان لا غنى عنهما في تمثيل شخوص مايكل أنجلو، الذي كان يعتبر العري هو الطريقة الوحيدة لملاحظة توتر العضلات وتفاصيل البشرة وإيماءات الجسد.. وهنا بعض أهم لوحاته.

لوحة "دفن المسيح" عام 1500
تعد لوحة الدفن من اللوحات النادرة التي لم ينجزها مايكل أنجلو بشكل كامل، وهي تعرض حاليا في المتحف الوطني بلندن، وفيها يمكن للمشاهد المتخصص دراسة تقنيته للبدء في اللوحات، منذ وضع الخطوط الأولية للتكوين الفني الذي لا يستخدم فيه إلا أقل قدر من الخطوط التحضيرية، بينما يبدو الشكل الكامل للمسيح أقرب للرخام المصقول.

الشخوص المائلة للخلف في اللوحة تمثل واحدا من المشاهد التصويرية الضخمة التي اعتاد مايكل أنجلو أن يصورها على السقوف والجدران، حيث تتناغم الألوان الخضراء الداكنة والوردية الحمراء مع البرتقالية، بالرغم من انعزال كل لون في كتلة لونية منفصلة.

تتعاون على حمل جسد المسيح الشخوص الموجودة في اللوحة، وهم: يوسف الرامي والمريمات الثلاث (مريم العذراء، وسالومي، ومريم المجدلية)، والقديس يوحنا الإنجيلي.

من أهم أهداف مايكل أنجلو في الرسم تسجيل أقصى درجات الحركة في أضيق مساحة متاحة (مواقع التواصل)


لوحة العائلة المقدسة "عذراء دوني" عام 1507
رسمت اللوحة في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، حيث كلف أنجلو دوني مايكل أنجلو برسم "العائلة المقدسة"، هدية لزوجته مادالينا ستروزي. استخدم مايكل أنجلو إطارا دائريا للرسم لإضفاء هالة من القدسية على اللوحة.

تظهر "العائلة المقدسة" المكونة من الطفل يسوع، ومريم، والقديس جوزيف، جنبا إلى جنب مع يوحنا المعمدان في المقدمة، بالإضافة إلى خمس شخصيات غامضة عارية في الخلفية تظهر عليها سمات منحوتات مايكل أنجلو الجسمية.

المصدر : الجزيرة