أبيع نفسي.. كيف تحول الفن المصري لترفيه سعودي

تركي آل الشيخ يعلن تعاقدات مع كوكبة من الفنانين المصريين لإقامة فعاليات مسرحية وموسيقية في السعودية (مواقع التواصل)
تركي آل الشيخ يعلن تعاقدات مع كوكبة من الفنانين المصريين لإقامة فعاليات مسرحية وموسيقية في السعودية (مواقع التواصل)

حسام فهمي-القاهرة

ينتقل رئيس الهيئة العامة للترفيه بالسعودية تركي آل الشيخ -بنفس القدر من إثارة الجدل الذي أثاره في ملف الرياضة المصرية- إلى مربع الاستثمار في المجال الفني المصري، أو هكذا يعلن، لكن الحقيقة أن رؤية الرجل ومن يحركونه تجاه المصريين عموما والفن المصري خصوصا تبدو بعيدة كل البعد عن مجرد الاستثمار الفني.

فقبل أيام أعلن آل الشيخ عن توقيعه عددا من التعاقدات مع فنانين مصريين لإقامة فعاليات مسرحية وموسيقية على أرض المملكة خلال عام 2019، وشارك في حفل التوقيع مجموعة كبيرة من الفنانين المصريين أبرزهم: محمد هنيدي ويسرا ورجاء الجداوي، بالإضافة إلى كوكبة من المغنين في مقدمتهم: عمرو دياب وهاني شاكر ومحمد حماقي، فضلا عن مجموعة من الإعلاميين أبرزهم: عمرو الليثي وعمرو أديب الذي تكفل بالإعلان عن المتعاقد معهم واحدا تلو الآخر.

كان ظهور آل الشيخ الأبرز في الساحة المصرية من خلال حضوره الرياضي، بدءا من رئاسته الشرفية لفترة قصيرة للنادي الأهلي المصري، وانتهاء بإنشائه نادي بيراميدز، ومرورا بالعديد من محطات الشد والجذب مع الجماهير المصرية التي انتقدته بعنف في مدرجات الملاعب المصرية وعلى ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، وظهوره على الساحة الفنية من خلال تأليفه عددا من الأغاني لمطربين ومطربات مصريين، كأغنية "برج الحوت" لعمرو دياب و"بخاف أفرح" لأنغام.

فما حقيقة تواجد تركي آل الشيخ في مصر؟ وهل يسعى حقا للاستثمار في الساحة الفنية كما يعلن أم أن له أهدافا أخرى؟ هذا ما سنتتبعه في هذا التقرير.

تركي آل الشيخ مع الفنان عمرو دياب (مواقع التواصل)

بين الفن والمقاولات
في منتصف الثمانينيات ومع زيادة أسعار النفط وانتشار أجهزة الفيديو في كافة دول الخليج، ظهرت الحاجة لعدد ضخم من الإنتاجات العربية الفنية لتلبية احتياجات سوق الفيديو الناشئ؛ فجاءت الإجابة في مصر، صاحبة أعرق سينما في المنطقة العربية، وتدفقت أموال الخليج دون هدف أو رؤية فنية واضحة، وطلب المنتجون الترفيه ولا شيء غيره، فكانت النتيجة هي مرور السينما المصرية بواحدة من أسوأ فتراتها على مستوى قيمة المحتوى الفني.

أنتجت مصر في تلك الفترة العشرات من أفلام المقاولات، فوصلت الأفلام في عام 1986 فقط إلى ما يقرب من مئة فيلم، كان العامل الوحيد المشترك بينها هو رداءة المحتوى: فنانون يؤدون مجموعة من "الإسكتشات" يتم تعبئتها على عجل في أشرطة فيديو وإرسالها إلى الخليج.

اليوم ونحن نتابع تعاقدات تركي آل الشيخ لا يسعنا سوى أن نقول "ما أشبه الليلة بالبارحة"، فالرجل قد أعلن مثلا عن عروض مسرحية كوميدية سيقوم ببطولتها الفنان المصري محمد سعد، لكنه لم يعلن عن كتاب أو مخرجين لهذه العروض، فالرجل إذن يبدو مهتما بالترفيه وغير مدرك بالأساس لقيمة المحتوى والكلمة لفن المسرح.

هكذا يمكننا توقع المزيد من "الإسكتشات" المشابهة لما يقدمه أشرف عبد الباقي في مسرح مصر، وهو بالمناسبة أيضا من ضمن الذين أعلن آل الشيخ التعاقد معهم. 

بالتأكيد ستميل هيئة الترفيه السعودية ورئيسها دائما إلى محتوى كوميدي مفرغ من أي معنى نقدي أو رمزية سياسية أو اجتماعية، فهيئة الترفيه التي تم إنشاؤها بالأساس وفقا لرؤية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المعنونة 2030، تهدف بشكل رئيسي إلى زيادة الاستثمارات في مجال الترفيه والعروض الفنية الضخمة، دون أن تولي أي اهتمام يذكر بالقيمة الفنية.

تبدو الضخامة هنا صفة مكررة لما يفضله تركي آل شيخ، إذ يتفاخر الرجل دائما بأنه يتعاقد مع الأكبر والأشهر والأغلى، في صورة كاريكاتورية قريبة للثري الخليجي الذي قدمه أحمد مكي في فيلم "طير أنت".

فالرجل تعاقد مثلا مع الفنان المصري عادل إمام لكي يظهر كضيف شرف في أحد الأعمال المسرحية، وبالتأكيد دفع مبلغا طائلا في ذلك، فقط ليعلن أنه قد تعاقد مع "الزعيم". 

مجموعة من الفنانين والإعلاميين المصريين لحظة إعلان تركي آل شيخ عن التعاقدات (مواقع التواصل)

السعودة وسؤال الهوية
يبدو سؤال الهوية حاضرا وبقوة هنا أيضا، فلا يطالب المعترضون على هذه التعاقدات من الفنانين المصريين أن يبدو موقفا رافضا للتعاون مع الجانب السعودي نتيجة تورط السلطة السعودية في كارثة إنسانية في اليمن، أو تورطها في اختطاف ومقتل صحفي كجمال خاشقجي، ولا لانتهاكاتها المتكررة لحرية الرأي والتعبير.

لكن الاعتراض الأكبر يأتي نتيجة انسحاق الهوية الفنية المصرية أمام مطالب الجانب السعودي التي ستأتي بسلطة التمويل ورأس المال دون شك، خصوصا أن المتحكم فيها الآن رجل من نوعية تركي آل شيخ الذي لا يفوت فرصة إلا يذكر فيها الجميع بما ينفقه، وبقدرته على تغيير المبادئ والأفكار بقوة المال، وبالعودة للرياضة يتضح ذلك، فأحد أول الإعلانات على قناة بيراميدز كان بعنوان "غير مبادئك.. شجع بيراميدز".

يبدو الأمر مستغربا بشكل خاص نتيجة للمشاركة النسائية الوحيدة التي أعلن عنها تركي آل الشيخ بين تعاقداته المصرية، حيث أعلن عن ستة عروض مسرحية جديدة من بطولة الفنانة المصرية شريهان، وذلك بعد غياب طال ما يزيد على ثلاثين عاما عن تقديمها أي عمل فني.

اكتفى الإعلان بذكر أن المسرحيات ستكون عائلية، وهو تصنيف لا يمكن فهمه إلا في سياق واحد، وهو أن هيئة الترفيه غير مهتمة بقصة هذه العروض أو محتواها، هي فقط تطلب الترفيه للأسرة السعودية لا أكثر ولا أقل.

ما ننتظره أيضا هو ماهية هذه العروض التي تقوم ببطولتها فنانة استعراضية بحجم شريهان، خاصة أن الاستعراضات النسائية أمر ليس سهلا على أرض المملكة.

الجدير بالذكر هنا أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، قد أقال الرئيس الأسبق للهيئة العامة للترفيه أحمد بن عقيل الخطيب، في يونيو/حزيران 2018، عقب ظهور لاعبات سيرك روسيات بأزياء استعراضية في سيرك الرياض.

ويتجدد السؤال هنا، ما القدر المسموح به من الاستعراض الذي سيتم تقديمه لشريهان، وهل سنراها أيضا وهي تؤدي بالعقال والعمامة السعودية مثلما فعل المغني الأوبرالي الإيطالي أندريا بوتشيلي في أحد عروض هيئة الترفيه مطلع هذا العام!

المصدر : الجزيرة