عـاجـل: المتحدث باسم الحكومة الإيرانية: نعترف رسميا باحتجاجات الناس لكن هذا مختلف عن أعمال الشغب ومثيريه

"حديقة افتراضية" لسعاد عبد الرسول.. جوهر التشكيل النسوي

لوحة "الألم" ضمن أعمال عبد الرسول في المعرض المقام بالقاهرة (الجزيرة)
لوحة "الألم" ضمن أعمال عبد الرسول في المعرض المقام بالقاهرة (الجزيرة)

سارة عابدين-القاهرة

يتواصل حاليا وحتى منتصف فبراير/شباط الجاري معرض "حديقة افتراضية" للتشكيلية المصرية سعاد عبد الرسول (1974) بغاليري مشربية في القاهرة، ويضم المعرض ثلاثين عملا فنيا بأحجام متفاوتة تم إنجاز أغلبها عام 2018.

تقول عبد الرسول إن الفكرة الأساسية جاءت عندما كانت تتجول في باريس، وتشاهد شخوص اللوحات الكلاسيكية، بكامل جمالها وتأنقها، ووضعياتها الرسمية داخل اللوحات، فراودتها فكرة رسم هذه الشخصيات، فيما وراء اللوحات، والتحولات التي تحدث للشخصيات، بعد خلع الأقنعة الجميلة والملابس الكلاسيكية، وبعد انطفاء أنوار قاعات العرض الكبرى.

الجسد الأنثوي والقيود الاجتماعية
تطرح عبد الرسول عن طريق لوحاتها أسئلة تتعلق بالجسد الأنثوي، والقيود التي يفرضها الجميع على هذا الجسد بشكل خاص، منذ بداية الميلاد حتى نهاية العمر، عن طريق إفساد المفاهيم التقليدية للجمال الأنثوي التي طالما سيطرت على مفهوم الفن بشكل عام، بحيث يحاول المتفرج إدراك ما وراء الجمال الأنثوي من معاناة وعنف وقيود، وكل تلك القضايا المعقدة المحيطة بأجساد النساء، بالإضافة إلى فكرة الأمومة والمشاعر التي تثيرها، والقيود التي تفرضها اجتماعيا وإنسانيا.

المتابع لأعمالها منذ بدايتها الفنية، يجد أن التساؤلات الخاصة بالجسد النسائي وماهيته، ومحظوراته، ليست جديدة عليها، ولكنها بدأت معها منذ مشروع تخرجها الذي رسمت فيه النساء في الحمامات الشعبية، بأجساد منهكة وتعطي انطباعا حسيا بالعنف والعزلة، أجساد عارية لكنها تخلو من الإثارة، بل ربما تؤكد على جماليات القبح بمعانيه التشكيلية و النفسية.

أهم ما يميز عبد الرسول هو خروجها عن التوجه العام لأعمال الفن النسوي، القائم على الأعمال التركيبية أو الأدائية، واعتمادها بشكل كامل على الرسم والتلوين، لخلق عالمها الخاص وشخوصه الغرائبية.

لوحة "قلب ليلى" (الجزيرة)

كيف لا ينبت الورد فينا؟
تطرح عبد الرسول ذلك التساؤل ضمن التساؤلات الرئيسية في معرضها، وتظهر الإجابة بصريا في كل اللوحات التي نجد للطبيعة والنباتات ظهورا دائما بها، بأشكال ومظاهر مختلفة.

أحيانا تنبت زهور بيضاء من الفم، أو من حافة اليد، في لوحات أخرى يتحول القلب وشرايينه وأوردته إلى ما يشبه شجرة لها أفرع وأغصان، تنبت منها الزهور، بطريقة تعيدنا إلى جوهر السريالية، عندما بدأ الفنان في استعمال الاستعارات البصرية، ليحتمل الشكل الواحد أكثر من تأويل.

وفي أحيان أخرى يظهر الصبار بأشواكه في أحضان الموديل، كأنها استسلمت تماما للألم ولم يتبق لها إرادة للمقاومة، وفي بعض اللوحات تظهر أفرع رقيقة ورفيعة من النباتات ملتفة حول الجسد، أو الأصابع أو الرقبة، ربما كمثال لكل القيود التي فرضت على المرأة أو لتخفي وراءها الحقيقة التي لا تتمكن المرأة من إظهارها.

العوالم الأسطورية
عوالم عبد الرسول لها سمة مميزة، ويغلب عليها الطابع الأسطوري، وشخوصها لا يمكن أن نقابلها في الحياة اليومية، شخوص توحي بالعزلة والغرابة والخوف، خاصة مع المسحة الوحشية، والنظرات الثابتة الميتة والعيون الشاخصة، لأغلب شخوص اللوحات، والتي يعززها اللون الأخضر الكابي ودرجات اللون البني في البورتريهات والأجساد، مع بقع وأشكال زخرفية نباتية وورود مضيئة بقليل من اللونين الأبيض والأصفر، لكسر صرامة وعزلة الألوان الترابية في اللوحات.

تستعمل عبد الرسول العمل الفني وسيلة بحث في اللاوعي الذاتي، من خلال محاولات التحرر من ضوابط العقل الواعي، ونقطة انطلاق للتخلص من القيود الاجتماعية، لتضع المتفرج في مواجهة عالم جديد، تم تعريفه وتصويره تصويرا دقيقا، لكنه في الوقت نفسه عالم من الخيالات والأوهام اللامنطقية.

وقد اعتمدت على إزالة العناصر والمفردات والشخوص من سياقها الطبيعي المعتاد، لتعيد تجميعها مجددا في إطار غامض، أو متناقض أو صادم، بهدف إثارة استجابات مختلفة لدى كل مشاهد، مما يجبره على الاعتراف بالمنطق الخاص لعالم عبد الرسول اللامنطقي.

الإطارات في معرض حديقة افتراضية، ليست مجرد إطارات تزيينية للوحات الفنانة، لكنها جزء أساسي من العمل الفني، تحمل بعدين، بعد شكلي وبعد من حيث المضمون، فمن حيث الشكل الإطارات مقتطعة من أثاث كلاسيكي قديم، فهي في مرة جزء من سرير، أو إطار قديم لمرآة، أو باب، لذا فهي تحمل زخارف عتيقة تتماشى تماما مع الروح الزخرفية للنباتات في لوحات عبد الرسول.

أما على صعيد المضمون، الإطارات سميكة وقوية ولها وجود كبير حول اللوحة، وحول الموديلات المستكينة المعزولة بداخل اللوحة، لذا يمكن النظر إلى إطارات اللوحات كحدود موازية للحدود الاجتماعية والمجتمعية التي تحاول عبد الرسول الإشارة إليها والتخلص منها.

النباتات الملتفة حول الجسد كمثال لكل القيود التي فرضت على المرأة (الجزيرة)


جوهر الفن النسوي
عند ظهور الحركة الفنية النسوية أواخر الستينيات، مع الحركات المناهضة للحروب، والحركات المدافعة عن حقوق الأقليات، سعى "الفنانون النسويون" إلى إعادة كتابة تاريخ الفن الذي يسيطر عليه الذكور، وإعادة ترسيخ مفاهيم جديدة لشكل المرأة في اللوحات، بعيدا عن الشكل الجمالي الجنسي الذي يفضله أغلب الرجال.

وكان أيضا من أهداف الفن النسوي تغيير المواقف الثقافية وتحويل الصورة النمطية المعتادة للمرأة في الحياة، كأداة لمتعة وخدمة الرجل، وخلق فرص للنساء لم تكن متاحة من قبل.

وبالرغم من مرور ما يقرب من ستين عاما على بداية ظهور الفن النسوي كمفهوم، فإن المشاكل والقيود الاجتماعية نفسها مازالت حاضرة بشكل كبير في الفن والحياة، لذا يمكن اعتبار الفن الذي تقدمه عبد الرسول فنا نسويا بامتياز، يحاول كسر تلك القيود والأنماط، عن طرق فن صادم لا يعتمد مفاهيم الجمال التقليدية، للمرأة والزهور والألوان، بالإضافة إلى إدراكها أن تلك القيود لا تأتي فقط من الرجال ولكنها في أحيان كثيرة تكون راسخة أكثر بأذهان النساء أنفسهن، لذا يعتبر معرض حديقة افتراضية محاولة حقيقية للتحرر عن طريق الفن.

المصدر : الجزيرة