أقوى صوت أوبرا بالعالم.. 96 عاما على ميلاد ماريا كالاس

كالاس امتلكت صوتا عظيما فتح لها أبوابا على الموسيقى الكلاسيكية (غيتي)
كالاس امتلكت صوتا عظيما فتح لها أبوابا على الموسيقى الكلاسيكية (غيتي)

يارا عيسى

ولدت ماريا كالاس ذات الأصل اليوناني في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1923 في مدينة نيويورك الأميركية، تعلمت العزف وأصول الغناء الكلاسيكي في سن مبكرة، فظهر ولعها بالغناء الأوبرالي منذ نعومة أظفارها.

كحال العديد من المبدعين لم تكن ماريا صاحبة طفولة سعيدة، فمنذ ولادتها كانت أمها مقتنعة بأن طفلها المقبل سيكون ذكرا، خاصة بعد أن فقدت ابنها بعد إصابته بمرض السحايا، وعند ولادتها ماريا أصيبت بخيبة أمل كبيرة لدرجة أنها رفضت حتى النظر إلى طفلتها الجديدة لمدة أربعة أيام.

وزادت سمنتها -التي لازمتها إلى مرحلة متقدمة من عمرها- في تمييز أبويها بينها وبين أختها الرشيقة، وتكللت تلك الطفولة البائسة بالشجار العائلي وطلاق والديها وسفرها مع أمها إلى أثينا عام 1937. 

فترة الصعود بين الاحتراف والنجومية
واصلت ماريا تعلمها الموسيقي في أثينا على يد مدربة السوبرانو الإسبانية "إلفيرا دي هيدالجو" لتبدأ مسيرتها الفنية في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي.

نصحتها مدربتها هيدالجو بتأسيس حياتها المهنية في إيطاليا، في حين كانت كالاس تقدم سلسلة من الحفلات في أرجاء اليونان، وبعد ذلك -وعلى عكس نصيحة معلمتها- عادت إلى أميركا لرؤية والدها ومواصلة مسيرتها المهنية.

عندما غادرت ماريا اليونان في 14 ديسمبر/كانون الأول 1945 -أي بعد شهرين من عيد ميلادها الـ22- كانت قد قدمت 56 عرضا في سبع صالات أوبرا، وظهرت في حوالي 20 حفلا، معتبرة مسيرتها اليونانية أساسا لتربيتها الموسيقية.

كانت الأعوام 1954-1957 أزهى سنواتها الفنية، فقد سطع نجم ماريا من أوبرا لاسكالا على العالم لتبقى مسيطرة على أوبرا ميلانو واليونان.

وفي العام 1970 استطاع المخرج السينمائي بيير باولو بازوليني إقناعها بأداء دور سينمائي كان الوحيد في حياتها، وهو دور البطولة في فيلمه "ميديا" عام 1971، لكن اللافت أنها لم تغنِ في هذا الدور.

أقوى أصوات الأوبرا في العالم
يقول المايسترو الشهير آرتور توسكانينني "قادني صديقي عازف الفيولا اليوناني يانيس ديكايوبولوس إلى ماريا كالاس، وقال لي سوف أعرض عليك موهبة لامعة، ذهبت معه وأنا أعتبر هذا الوصف من قبيل المبالغة لكن بمجرد ما خرجت ماريا على المسرح وبدأت في الغناء شعرت أنني غير موجود في هذا العالم، عرفت حينها أن ماريا ساحرة وليست مغنية أوبرا".

وبالفعل، كانت ماريا كالاس من أهم مغنيات الأوبرا في التاريخ، بل ومن أهم الأصوات الدرامية، وترجع هذه الأهمية الى صوتها الذي بلغ 6.7 أوكتافات، وهذا بمقياس الصوت قياس يقارب درجة الإعجاز، وهو يعادل قرابة ضعف مساحة صوت أم كلثوم.

امتلكت كالاس صوتا عظيما فتح لها أبوابا جديدة على الموسيقى الكلاسيكية، ورافق ذلك موهبتها في الأداء التعبيري المرافق للغناء السوبرانو الدرامي، قامت كالاس بعدة أعمال غنائية إبداعية كثيرة، خاصة للمؤلفين الإيطاليين، مثل "نورما" لبليني و"توسكا"، و"مدام باترفلاي" لبوتشيني، و"حفلة تنكرية" لفيردي.

كما أدت كالاس العديد من الأعمال بلغات أخرى عالمية، أهمها بالفرنسية "كارمن" رائعة المؤلف الفرنسي جورج بيزيه، وبالألمانية "تريستان وإيزولد"، و"دي فالكوره" و"بارسيفال" لفاغنر، إضافة إلى أعمال أخرى من العصر الكلاسيكي، القرن الـ18 وصولا إلى القرن العشرين. 

للقلب حكاية أخرى
التقت كالاس بجيوفاني باتيستا مينيجيني، وهو رجل أعمال إيطالي ثري، تزوجها في عام 1949، وتولى تسيير حياتها المهنية، وبزواجها منه حصلت على الجنسية الإيطالية وتخلت عن الجنسية الأميركية.

ظلت حياتها هادئة ومستقرة مع زوجها حتى عام 1959، حيث دعي الزوجان إلى رحلة بحرية على متن السفينة "كريستينا" التي يملكها المليونير أرسطو أوناسيس، وكانت هذه الرحلة بداية مرحلة جديدة في حياة ماريا، أما زوجها جيوفاني فقد ترك نابولي وعاد إلى مدينة فيرونا، حيث كانا يسكنان في بداية زواجهما.

بعد طلاقها من زوجها الأول بدأت بالظهور مع أوناسيس، وكانت آنذاك نجمة المجتمع الباريسي، فتابعتها الصحف ونشرت لها العديد من الصور برفقته، وفي عام 1960 أنجبت ماريا طفلا منه سمته أوميروس، لكن الطفل توفي لأسباب طبيعية بعد ميلاده بأسبوع، مما أدخل ماريا في حالة كبيرة من الحزن على وفاة طفلها.

أما أوناسيس فقد كان في مزاج متقلب دائما، ومع ذلك كانت ماريا تحتمل المتاعب وتنتظر من أجله، لكن حينما طالبته في العام 1966 بالزواج أجابها بسخرية "أنت تريدين عائلة، وأنا أريد العالم"، حينها أدركت ماريا أن أحلامها بدأت تتحطم، وسرعان ما سمعت بزواجه الشهير من جاكلين كينيدي.

دخلت ماريا إثر ذلك حالة من الخيبة والاكتئاب، لتوافيها المنية يوم 16 سبتمبر/أيلول 1977 عن عمر يناهز 54 عاما نتيجة ذبحة قلبية في باريس، وبحسب وصيتها تم إحراق جثتها، وبعثرت على بحر إيجة قبالة سواحل اليونان وفق الطقوس اليونانية القديمة.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية