صدى.. مسرح يواجه توترات النزاع شمالي لبنان

تسعى فرقة صدى إلى تشارك وتمثيل قصص المجتمع الطرابلسي وذاكرته ومخاوفه وآماله (الجزيرة)
تسعى فرقة صدى إلى تشارك وتمثيل قصص المجتمع الطرابلسي وذاكرته ومخاوفه وآماله (الجزيرة)

محمد خالد-طرابلس

من مكان كان مسرحا للاقتتال والتهجير داخل مدينة طرابلس شمال لبنان، إلى مسرح فني، هكذا حول مجموعة من الشباب في المدينة وبمبادرة فردية مبنى مدمرا ليكون مساحة التقاء على ذكرياتهم وحاضرهم، ومساحة آمنة يروي فيها الجمهور قصصه المختلفة لمجموعة من الممثلين، سواء المحترفين أو المتدربين، الذين يعيدون تمثيلها عاكسين التجارب الإنسانية بمشاعرها الجميلة والمعقدة.

"صدى لمسرح إعادة التمثيل"، هو اسم الفرقة التي أسسها شباب وشابات، وتعد أول فرقة مسرح من نوعها في مدينة طرابلس، تأسست عام 2017 بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تضم 14 شابا وشابة من بيئات وجنسيات واختصاصات وخلفيات مختلفة، تتراوح أعمارهم بين 18 و38 سنة، اجتمعوا لتضميد الجراح وبناء الجسور التي دمرتها الحرب في مجتمعاتهم.

تهدف صدى إلى إنشاء منصة آمنة حيث يمكن للشباب التعبير عن رواياتهم (الجزيرة)

أداة للتغيير الاجتماعي
جاء تأسيس "صدى" بعد أن أدى العبء الاجتماعي الاقتصادي الناجم عن النزاعات المستمرة بين مناطق جبل محسن وباب التبانة والقبة شمال لبنان في السنوات الأربعين الماضية، إلى زيادة التوتر بين المجتمعات المحلية، لتكون "صدى" مساحة آمنة لورشات العمل والعروض الأسبوعية كوسيلة لجلب التعبير لمجتمعات متعددة الثقافات، ولتخفيف التوترات وتقديم فرصة للقاء بعضهم بعضا وتبادل القصص التي يمكن أن تطمس خطوط الانفصال والخوف.

يقول المدير الفني للفرقة هاني رستم للجزيرة نت "نسعى إلى استخدام مسرح إعادة التمثيل كأداة للتغيير الاجتماعي، كما نطمح إلى دعم بناء الأسس والمساهمة في زخم المصالحة المجتمعية المناسبة في مدينة طرابلس التي تحتاج إلى سنوات من الشفاء والتدخلات على مستويات متعددة".

تسعى فرقة صدى إلى تشارك وتمثيل قصص المجتمع الطرابلسي وذاكرته ومخاوفه آماله، وإلى تحقيق المصالحة في المدينة، من خلال تسليط الضوء على الماضي من أجل تخطيه والتعلم منه، كما وتهدف إلى إنشاء منصة آمنة حيث يمكن للشباب التعبير عن رواياتهم وذكرياتهم ومخاوفهم وتطلعاتهم، قبل أن يقوموا بتمثيلها على خشبة المسرح.

قصص عديدة تطرحها فرقة صدى في عروضها، كقصص من ذاكرة الحرب والعدالة الاجتماعية والمساواة، إلى الزواج المبكر ومناهضة العنف ضد المرأة، إذ يعد مسرح صدى مسرحا ارتجاليا بالكامل يتكون من تعاون فريد بين الممثلين في العرض والجمهور، حيث يروي شخص ما من الحضور قصة من حياته، ويختار الممثلين للعب الأدوار المختلفة في القصة، ثم يشاهد قصته بشكل ارتجالي في قوالب تمثيلية بسيطة.

‪صدى‬ تسعى (الجزيرة)

متنفس أحياء طرابلس
يؤكد العضو في الفرقة نور ملي "أن كل ما يعنى بدعم الاستقرار الاجتماعي ونشر ثقافة التعاطف بين المجتمعات المختلفة هو موضوع للطرح والنقاش في عروض صدى"، مضيفا أن "سرد القصص وإعادة تمثيلها يشجع على إجراء محادثة غير مباشرة بين الجمهور لبناء الجسور بينهم".

كما تسعى "صدى" لأن يكون لها تأثير على زيادة مرونة ومعرفة المجتمعات المختلفة بما يتعلق بالتخفيف من حدة الصراع ومنع نشوبها وبناء السلام، بالإضافة إلى تمكين المجتمعات المستهدفة من تحدي الصور النمطية والصور المبنية اجتماعيا للآخرين الذين يتعارضون معهم، كما تهدف إلى زيادة الوعي بين المجتمعات المختلفة طائفيا وكذلك اللاجئين المقيمين في طرابلس في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية السائدة، مع تزويدهم بالأدوات اللازمة لدفع السلام ومناقشة سبل حل هذه الصراعات.

وتمتلك "صدى" علاقة جيدة مع المجتمع المحيط، حيث إنها تمثل متنفسا للعديد من أحياء مدينة طرابلس التي ترغب بالتعبير عن نفسها وعن آرائها من خلال عروض مسرح إعادة التمثيل. فما تزال علاقة صدى الاجتماعية في توسّع خصوصا مع إطلاق برنامج محور الفنون كأول فرصة تتاح للهواة وأصحاب الخبرة، لاختبار تقنيات مختلفة في المسرح، وذلك من خلال توفير مجموعة من التدريبات المسرحية بشكل شبه مجاني.

تقول الممثلة في الفرقة سارة سيوف إن "صدى هي المكان الذي وجدت نفسي فيه، والمساحة التي أستطيع من خلالها أن أمارس الفن وأن أؤثر في الناس في الوقت نفسه"، وتضيف "استفدت كثيرا من مسرح صدى، وزاد لدي الوعي والإحساس تجاه الناس خاصة عندما أشاهد ردة فعلهم بعد انتهائي من تأدية قصصهم على المسرح".

يشير القائمون على فرقة صدى إلى أنها تؤدي عروضا مسرحية شهريا بشكل مجاني، بالإضافة إلى عروض لمجموعات خاصة في المجتمع كذوي الاحتياجات والنساء والمنظمات والمؤسسات الخاصة، وتؤكد أن أوقات العروض وورشات العمل يتم نشرها على صفحة الفيسبوك لكل مهتم.

وتطمح فرقة صدى من خلال استخدام فن التشغيل كأداة للتغيير الاجتماعي، إلى دعم بناء الأسس والمساهمة في زخم المصالحة المجتمعية السليمة في المدينة التي تحتاج إلى سنوات من الشفاء والتدخلات على مستويات متعددة.

المصدر : الجزيرة

المزيد من فن
الأكثر قراءة