"المينيماليزم" في تجربة الفنان التشكيلي عزيز أزرعي

"المينيماليزم" في تجربة الفنان التشكيلي عزيز أزرعي
إحدى لوحات الفنان عزيز أزرعي (الجزيرة)

سارة عابدين

بالنظر إلى تجربة الفنان المغربي عزيز أزرعي الفنية في المرحلة الحالية، نجد اختزالا لونيا يقوم على عنصر التكثيف، مساحات كبيرة من اللون الأبيض تخفي عوالم متباينة، تجربة قائمة على تقنيات المحو والكشط والإخفاء بغاية الإفصاح عن شيء خفي عن طريق إيماءات معزولة على سطح اللوحة، الأمر الذي يعتبره أزرعي أكثر صعوبة وديناميكية.

درس أزرعي التاريخ القديم بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وحصل على الماجستير في موضوع الثقافة والصناعات الثقافية، ثم حصل على الدكتوراه في تطور الخطاب النقدي حول الفن التشكيلي المغربي، وله سبع مجموعات شعرية بالتوازي مع تجربته التشكيلية التي تتسم بالتجريد والاختزال اللوني الذي لا يحاول التعبير عن أي حقائق خارجية، فالفنان هنا لا يريد من المتفرج غير التفاعل مع اللوحة التي أمامه.

‪تجربة أزرعي الاختزالية شكلا نقيا من الجمال‬ (الجزيرة)
‪تجربة أزرعي الاختزالية شكلا نقيا من الجمال‬ (الجزيرة)

"المينيماليزم"
تقدم تجربة أزرعي الاختزالية شكلا نقيا من الجمال عن طريق وسائط مختلفة مثل الألوان وبقايا الأوراق القديمة بتقنيات الرسم و"الكولاج"، ليتحول سطح اللوحة إلى ساحة للتجريب التقني واللوني لطرق مختلفة للاختزال، نتيجة مسار فني امتد لأكثر من 20 عاما، جرب خلالها كل إمكانات المفردة اللونية على تنوع درجاتها وخاماتها وإمكاناتها، قبل أن يقتنع بذلك الأسلوب الاختزالي القائم على التكثيف، لأن التجربة الفنية خاضعة لفلسفة التجريب، وأهمية أن يغير الفنان مفرداته وتقنياته وموضوعاته الفنية من حين لآخر، كلما نفدت الأفكار التي راهن عليها في لحظة معينة من مساره الفني، مما يعتبره أزرعي إحدى علامات النضج الفني.

يستعيد أزرعي في هذا السياق تجربة الفنانين العراقي علي رشيد والمغربي حكيم غزالي باعتبارهما يمثلان تجربتين راهنتا على الأسلوب المينيميالي، حيث يهيمن اللون الأبيض باعتباره خامة مختزلة لكل الألوان، ويمتلك القدرة على التشكيل النهائي للعمل الفني وإظهار ملامحه الأساسية، بعد سلسلة من البناءات اللونية الأولية التي ينهض على أنقاضها، فلا يظهر أبيض تماما، إنما هو خلاصة مجموعة من المتواليات اللونية التي تتأسس عليها حياة اللوحة قبل أن تصل إلى صيغتها النهائية.

يشير الفنان التشكيلي إلى أهمية المتابعة الجيدة للأعمال القديمة، ثم نسيانها والبدء في الطريق الخاص لكل فنان، الأمر الذي يمنحه مزيدا من الخبرة والدراية والصنعة، إذ لا تكفي الموهبة وحدها لخلق فنان له شأن أو حضور أو لمسة تستحق الانتباه، بل ينبغي أن يرافق ذلك مجهود يتأسس على القراءة والمشاهدة والاطلاع على تجارب الآخرين.

الذوق سيظل مسألة نزاعية لأنه يرتبط بتكوين الأشخاص وميولهم (الجزيرة)
الذوق سيظل مسألة نزاعية لأنه يرتبط بتكوين الأشخاص وميولهم (الجزيرة)

التجريد في المغرب
يتحدث أزرعي مع الجزيرة نت عن حال التجريد في المغرب العربي ويقول إن من حسن حظ الفنانين المغاربة أن الاستعمار الإسباني والفرنسي لم يؤسسا معاهد وأكاديميات فنية عليا كما فعلا في تونس والجزائر، لأن هذا الفراغ الأكاديمي دفع رواد الفن المغربي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى الاعتماد على أنفسهم دون تقيد بتلك القواعد الأكاديمية الصارمة، قبل أن يلتحقوا بالمعاهد الأوروبية من أجل صقل مواهبهم.

ولعل هذا الأمر هو ما سبق أن تطرقت له مؤرخة تاريخ الفن الإيطالية طوني مارايني في أحد كتبها، حين أشارت إلى أن الفنان المغربي لم يكن يحتاج إلى من يعلمه قواعد الفن، بقدر ما كان يبحث عمن يكون شاهدا على موهبته الخلاقة.

يرى أزرعي أن هذه الأكاديميات والمعاهد الفنية العليا التي أسستها سلطات الاستعمار في عدد من البلدان العربية، كان لها مفعول عكسي على أجيال متعاقبة من الفنانين العرب الرواد الذين ظلوا رهن الأسلوب الاستشراقي الذي تلقوه داخل المؤسسات الفنية الأكاديمية، بينما كان هذا الفراغ سببا في تخفف أغلب الفنانين المغاربة الأوائل من سلطة الفن المدرسية وتجريب الأسلوب التجريدي الذي سيطر على الاتجاهات الفنية منذ النصف الأول من القرن العشرين إلى اليوم.

وعن علاقة جمهور المغرب بالتجريد، يقول أزرعي إن الذوق سيظل مسألة نزاعية على الدوام لأنها ترتبط بتكوين الأشخاص وميولهم، وعلاقة كل ذلك بالأحاسيس والاستقبال الفردي، ليس فقط للتصوير واللوحة، وإنما أيضا للأغنية والمسرحية والفيلم والرواية والشعر وغيرها.

في المغرب هناك تباينات في تلقي الفن، ويعتقد أزرعي أن هذا الأمر ظاهرة صحية، على أن ذلك لا يمنعه من القول بوجود فنانين مغاربة رواد اختاروا -منذ منتصف القرن العشرين- التجريد كأسلوب فني ساهم في إشاعة هذا النمط الفني الحديث في تاريخ مبكر داخل المجتمع، وفي تقبله دون تردد أو ممانعة، وهي حالة صحية أسهمت في تجويد اللمسة الفنية المغربية وفتحت طموحها على آفاق أرحب.

المصدر : الجزيرة