لغز وجوه الفيوم.. مصريون أم إغريق.. كيف كان سياقها التاريخي؟

وجوه الفيوم ما زالت لغزا محيرا للمؤرخين (مواقع التواصل)
وجوه الفيوم ما زالت لغزا محيرا للمؤرخين (مواقع التواصل)

رحمة الحداد

في القرن التاسع عشر، انتشرت في إنجلترا الفيكتورية ظاهرة يمكن لإنسان العصر الحالي وصفها بالمخيفة والمقلقة، وهي تصوير الموتى.

كانت عملية التصوير تأخذ وقتا طويلا، مما جعل تصوير المتوفى أسهل من تصوير الأحياء، فعلى الأقل يصبح المصور متأكدا تماما أنه لن يواجه أي حركة تفسد صورته، في وقت انتشار الظاهرة كانت تلك الطريقة في التصوير لا تزال في بدايتها، فكانت بعض الصور الملتقطة للرضع والأطفال الصغار الموتى هي على الأرجح الصور الفوتوغرافية الوحيدة لهم، لقد كانت وسيلة لتحدي الموت، ليس عن طريق الاحتفاظ بصور الأحياء والحياة تدب بأوصالهم ووجوههم المتوردة ولكن كان ذلك التحدي يعني تذكرهم بآخر حالة وجدوا عليها.

سر وجوه الفيوم
لكن قبل قرون من اختراع آلة إيقاف الزمن -وهي الكاميرا- كان تخليد الوجوه يحدث عن طريق الرسم أو النحت، وإذا جاء الأمر لتذكر الموتى فيمكن أن نرى خير مثال في الحضارة المصرية الرومانية القديمة، خاصة ما يطلق عليه "وجوه الفيوم".

لكن على عكس تصوير الفيكتوريين، فوجوه الفيوم هي صور حية لأصحابها، شخوص ذوو عيون واسعة بها لمعة الحياة بشكل متعمد، متشابهون لكن لكل منهم ملامحه الخاصة، وتملك تلك الوجوه دلائل على موهبة صانعيها في رسم بعض من أول البورتريهات الواقعية، ربما في تاريخ فن البورتريه.

عندما كانت مصر ولاية رومانية في عام 30 قبل الميلاد، اندمجت الحضارتان ثقافيا واقتصاديا لكن يمكن رؤية ذلك المزيج بشكل خاص في الطقوس الجنائزية التي يمكننا أن نسميها الآن بالفنية.

تداخل إرث التحنيط المصري مع أساليب الرسم الرومانية، فكان الناتج طقسا متكاملا لدفن الميت المحنط داخل تابوت محكم مزين بالكتابات الهيروغليفية لكن الإضافة كانت أن ذلك التابوت يملك وجها مرسوما بعناية ودقة وبألوان تحاكي الطبيعة وتحاكي ملامح الميت، حسب ما هو معتقد.

وسميت وجوه الفيوم لأنه تم اكتشاف معظمها داخل مقبرة رومانية بمحافظة الفيوم -تبعد عن القاهرة بنحو 116 كيلومترا- ولسنوات لم يكن يعلم أحد عنها شيئا لكن بالتدريج ومن القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر تم اكتشافها حتى وصلت للعدد الذي نعرفه اليوم.

وجوه الفيوم هي صور شخصية مرسومة على ألواح من الخشب بخامات مثل تمبرا البيض وهو أسلوب مصري قديم للرسم، أو الشمع المخلوط بأكاسيد الألوان، لشخص متوفى وموضوعة على مقدمة التابوت الذي يحوي مومياءه مكان الرأس تقريبا، واكتشف وجودها أول مرة المستكشف الإيطالي بيترو ديلا فالي عندما قام بزيارة سقارة في عام 1615 ونقل بعض البورتريهات والمومياوات إلى أوروبا.


مصريون أم إغريق؟
ولعدة سنوات قبل عام 1887، وجد بعض المستكشفين عددا من الوجوه في مناطق متفرقة، حتى وجد عالم الآثار فليندرز بيتري -في هوارة بالفيوم- مقبرة رومانية جماعية استخرج منها 81 بورتريها، مما جذب لها جمهورا ضخما، وفي عام 1892 اكتشف عالم الآثار الألماني فون كوفمان ما يسمى بمقبرة آلين وبها ثلاثة من أشهر وجوه المومياوات حتى الآن.

ويعتقد المصريون أن الوجوه المصورة على الألواح الخشبية هي للرومان الإغريق، ويعتقد الرومان الإغريق العكس، بأنها لسكان مصر الأصليين، عندما كانت مصر ولاية رومانية عاش بها الإغريق والرومان والمصريون، وتزوج أفراد الجيش الإغريقي من نساء البلد الأصليات فأصبحت هناك أعراق متداخلة.

الرسامون
لكن من هم المصوَّرون حقا في تلك الأزياء الرومانية والمجوهرات الباذخة؟ لا توجد إجابة دقيقة عن التساؤل بشأن أجناس وأعراق أصحاب الصور، لكنهم بشكل مؤكد من الطبقة العليا من الجنود والأثرياء، وهناك العديد من التوابيت التي وجدت دون رسوم عليها، فتم استنتاج أن الأخرى هي لأصحاب طبقة عليا بسبب غلاء الفنيين والخامات المستخدمة.

وجوه الفيوم أو كما جرى تسميتها هي موضوع مليء بالغموض ولا توجد إجابة واضحة لأي من تساؤلات المهتمين بالفن أو التاريخ. ومن ضمن ما يمكن التكهن به، هو هل صورت تلك الصور أصحابها فعلا؟ أو هل اعتمدت على أنماط؟ أي مجموعة من الأعين تم تكرارها وتغيير القليل في تصميمها، مجموعة من الشعر والأنوف والشفاه.

بينما يصعب الجزم بما سبق فإنه يمكن الجزم بتأثير تلك الوجوه على المتلقي، فكل منها دون شك يملك شخصية مميزة سواء كان الفارق في نظرة عين معينة أو لمسة فرشاة غيرت شكل اللحية واتجاه لفائف الشعر، وعلى الرغم من كونها صورا لشخوص قد ماتوا بالفعل فإن صناعها حاولوا جاهدين ضخ الحياة بداخلها خاصة في طريقة رسم العيون اللامعة أو الشفاه الوردية.

‪وجوه الفيوم وثيقة تاريخية لطبيعة الحياة والأزياء في تلك الفترة‬ (مواقع التواصل)

التقدير الفني لوجوه الفيوم

يمكن تقدير تلك الأعمال بشكل فني مجرد بعيدا عن هدفها الأصلي ضمن طقوس الدفن أو تصنيف المومياوات، فهي تعتبر شواهد على بداية الواقعية في تصوير الوجوه بالإضافة لسمات أسلوبية مستوحاة من الفن المصري القديم وكذلك الروماني والإغريقي.

وإلى بجانب قيمتها الفنية تقف وثيقة تاريخية لطبيعة الحياة والأزياء في تلك الفترة، ونوعية تصميمات المجوهرات وأساليب تصفيف الشعر للرجال والنساء، وأنواع الأحجار التي تطعم بها الملبوسات.

فمن جهة هي تأريخ لأسلوب الملبس لمجموعة من البشر في زمن محدد، لكنها أيضا تحدد طبقة اجتماعية واقتصادية معينة قادرة على تحمل ذلك النوع من الرفاهيات في المظهر.

لوجوه الفيوم قيمة تاريخية للفن فهي انتقال من الفن المصري الذي اشتهر بالرسم على الجدران والكهوف إلى الرسم على ألواح مستقلة متنقلة تحمل طبقات متعددة من الألوان.

وهو ما يمكن اعتباره مقدمة لرسم الأيقونات القبطية، ولقد انتهى بها الأمر مثل نوايا صانعيها فلقد تخطت تاريخ أصحابها وعاشت حتى عصرنا لكي تموه الخط الفاصل بين الموت والحياة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تعتبر “الواقعية المفرطة” فرعا من فروع المدرسة الواقعية القديمة، ويعمل فنانوها على إنتاج لوحات فنية تشبه الواقع تماما حتى لا تتمكن العين البشرية من التمييز بين اللوحة الأصلية والصورة الفوتوغرافية.

المزيد من فن
الأكثر قراءة