"استروبيا".. فيلم غزي يحكي واقع الحياة في القطاع المحاصر

الفيلم يناقش الحياة الاجتماعية لسكان غزة وأسباب ما وصلوا إليه من عيشة مريرة (الجزيرة)
الفيلم يناقش الحياة الاجتماعية لسكان غزة وأسباب ما وصلوا إليه من عيشة مريرة (الجزيرة)

علا موسى-غزة 

أبصر فيلم "استروبيا" النور بعد أربع سنوات ونصف السنة من العمل داخل العديد من مناطق قطاع غزة، ووسط كل الصعوبات التي عايشها فريق العمل من قلة إمكانات متاحة، وظروف الحصار الإسرائيلي، وعدم توفر إمكانات الإنتاج السينمائي في القطاع، لكنه استطاع الحصول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الإسكندرية للأفلام السينمائية الخاصة بدول خوض البحر الأبيض المتوسط لهذا العام. 

خاض فريق عمل الفيلم صعوبات عدة، في ظل عدم وجود سينما في قطاع غزة تشجع على إنتاج الأفلام الفلسطينية، إلى جانب عدم وجود جهات رسمية أو داعمة للأفلام الدرامية في القطاع المحاصر، وصعوبة إدخال معدات الإنتاج السينمائي من الخارج بسبب الحصار الإسرائيلي على غزة والرقابة الشديدة، خاصة على بعض معدات التصوير للقطاع. 

قصص حقيقية
انطلق مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول الماضي على مسرح أوبرا الإسكندرية "سيد درويش" في دورته 35، وتنافس في هذه المسابقة 85 فيلمًا للحصول على خمس جوائز من دول البحر المتوسط، هي سوريا، وإسبانيا، واليونان، وكرواتيا، وتركيا، وفلسطين، ولبنان، وسلوفينيا، والجبل الأسود، وصربيا، والمغرب، ومالطا، والجزائر، وفرنسا، وإيطاليا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، وتونس. 

وحصل الفيلم الغزي على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في المهرجان، وحصل على إشادة كبيرة من المخرجين والفنانين المحكمين، في ظل أنه طرح جانبا من الحياة الاجتماعية الغزية، بعيدًا عن الصورة المألوفة للأفلام الفلسطينية التي تحكي حكايات الحرب والدمار والقتل، ويحكي قصصا حقيقية واجهها شباب غزة، كما ينوه مخرج الفيلم أحمد حسونة. 

حسونة مخرج سينمائي في غزة، أنتج عددا من الأفلام الوثائقية، وعددا من الأعمال الفنية والإعلامية، وحصل على جائزة المركز الأول لفئة الفيلم القصير "الطفل والأسرة" في مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية لعام 2014 عن فيلم "أوتار مقطوعة"، واستطاع إنتاج الفيلم والانتهاء منه في أغسطس/آب هذا العام.

تتبلور فكرة الفيلم عن قصص حقيقية تحكي معاناة الشعب الغزي، خاصة فئة الشباب من زاوية اجتماعية، ومنهم العاطلون عن العمل والخريجون وأصحاب الدرجات العليا، الذين يعملون في مهن متعبة بعيدة عن تخصصاتهم، وغير القادرين على الزواج الذين يحاولون تأسيس حياة أسرية لكنهم غير قادرين.

أنتج حسونة الفيلم بالتعاون مع شركتي "نور ميديا" و"فسطين اليوم"، ويركز الفيلم على الحياة المأساوية التي يمر بها الشباب وتدفعهم لطريقين: إما تناول المخدرات أو التفكير في الانتحار، وصولاً للهجرة غير الشرعية، وهي الزاوية التي ركز فيها المخرج كزاوية معالجة للفيلم.

ويدور صراع حول طريق الهجرة غير الشرعية، مستشهدًا بحادثة فقدان سفينة كانت تقل مئة من الغزيين الذين فروا من غزة عام 2014 في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، لكن في العام نفسه فقد أثرهم ولا توجد أي معلومات إن كانوا على قيد الحياة.

يقول حسونة "الفيلم بعيد عن الدم والدمار؛ حياة اجتماعية لسكان غزة وأسباب ما وصلوا له من عيشة مريرة، إلى جانب التركيز على حياة الشباب في حقبة الانقسام الفلسطيني، خلالها يدرس ويجتهد في التعليم وتخصصه الجامعي، لكن تؤدي به إلى طريق مسدود، ويجد نفسه يعمل في مهنة صعبة فقط لأجل تحصيل قوت اليوم، لذا يفقد الأمل، ويتمنى أنه لم يدرس من الأساس، ثم الهجرة".

فريق العمل واجه صعوبة في إدخال المعدات من الخارج بسبب الحصار الإسرائيلي (الجزيرة)

إمكانات ضعيفة
ينوه حسونة إلى أن الفيلم استغرق أربع سنوات ونصف السنة في ظل الإمكانات التي لم تتح أمامهم، إلى جانب أن جميع الطاقم من الممثلين والمنتجين والفنيين متطوعون من دون تقاضي أي أجر لإيمانهم بفكرة الفيلم وقضيته لتعرض على المستويين العربي والدولي، لكنه توقف عن العمل سنتين ونصف السنة.

"عندما عدنا للفيلم بدأنا نفكر في إكمال هذا العمل، نريد أن ننجزه بأقل التكاليف، فاتفقنا كطاقم على أن نوفر بكل طاقاتنا، مثلاً أنا مخرج أقوم بطلاء الحيطان، كلنا أصبحنا فريقا واحدا نقوم بعدة مهام في آن واحد، كنا نتأقلم على العمل عندما تحضر الكهرباء في غزة، وكانت أصوات طائرات الاستطلاع الإسرائيلي التي ينتشر صوتها عائقا أمامنا أيضا".

كما واجه الممثلون في الفيلم مواقف صعبة لبعض المشاهد، كما يشير الفنان غسان سالم، الذي قام بدور "توفيق"، ومنها مشاهد في شاطئ بحر غزة، حيث تم تصويرها بصعوبة بالغة لعدم توفر لوجستيات تلزم الممثلين في تصوير مشاهد الغرق والإبحار.

سالم مثّل دور شاب عشريني من عمره، وهو خريج جامعي، ولم يجد أي فرصة عمل، ووقع في قصة حب، لكنه لم يستطع إكمالها بالزواج في ظل الظروف المادية الصعبة، وواجه مشاكل اجتماعية كثيرة، واستطاع الاقتناع عبر أصدقائه بالهجرة غير الشرعية للهروب من الواقع.

 العمل على الفيلم استغرق أربع سنوات ونصف السنة بسبب ضعف الإمكانات (الجزيرة)

ويقول سالم "هناك مشاهد صعبة تتطلب أن تعيش حالة نفسية قد تكون عشتها في قطاع غزة أو عاشها آخرون من القريبين منك، شعور مؤلم أن تمثل قصصهم لإيصال الحالة النفسية أمام الكاميرا، لكن هذا عمل فني يحتاج لجهد من أجل إظهار جوانب الصراع.

بلغ طاقم عمل الفيلم الأساسيين ستة أفراد فقط، وأربعة آخرين مساندين، إلى جانب التركيز على أربعة أدوار لشخصيات أساسية في الفيلم، وأربعة آخرين كشخصيات مساندة لهم، بالإضافة إلى مئتين آخرين من الشباب الذين أسهموا في بعض المشاهد الجماعية في غزة.

المصدر : الجزيرة