سبت الساحرات.. اللوحة المرعبة التي جسدت الشيطان

أسطورة "سبت الساحرات" تزعم أن الساحرات يجتمعن يوم السبت ليمارسن طقوسا معينة يحصلن بموجبها على قدرات سحرية خارقة (مواقع التواصل)
أسطورة "سبت الساحرات" تزعم أن الساحرات يجتمعن يوم السبت ليمارسن طقوسا معينة يحصلن بموجبها على قدرات سحرية خارقة (مواقع التواصل)

هند مسعد

تخيل أن ينتقل رسام للعيش في بيت يطلق عليه "بيت الرجل الأصم"، لأن الساكن السابق للبيت أصيب بالصمم بعد أن سكن فيه، وبعد فترة وجيزة يصاب ذاك الرسام هو الآخر بالصمم في البيت نفسه لأسباب مجهولة، لكنه مع ذلك لا يرحل عن البيت.

الأكثر من ذلك، يستمر الفنان في رسم مجموعة لوحات (14 لوحة) سوداوية على جدرانه كافة، تعكس أرواحا معذبة وجنا وعفاريت وكلبا ينبح في الفراغ، ورجلا يأكل ابنه، وينتهي به المطاف عام 1820، لأن يرسم الشيطان في شكل عنزة تتوسط عددا من الساحرات في مشهد مرعب، وعرفت تلك اللوحة باسم "سبت الساحرات".

تلك هي قصة اللوحات الأكثر رعبا في تاريخ الفنون التشكيلية، وهي ما تعرف بسلسلة اللوحات السوداء للرسام الإسباني فرانثيسكو جويا (30 مارس/آذار 1746-16 أبريل/نيسان 1828)، الرجل الذي زين حوائط منزله المريب بلوحات مخيفة، وانتهى به المطاف أصما وحيدا، حتى أصيب بسكتة دماغية توفي إثرها بعد أسبوعين.

أضاحي الشيطان
تحكي أسطورة "سبت الساحرات"، التي انتشرت في أوروبا في العصور الوسطى، أن الساحرات يجتمعن يوم سبتهن في الغابات الخالية البعيدة أو بين الجبال؛ ليمارسن طقوسا معينة يحصلن بموجبها على قدرات سحرية خارقة.

وتلك الطقوس كانت تنطوي على كفر تام وتدنيس للدين المسيحي، حيث تقدم الساحرات الأضاحي للشيطان، الذي يتم استحضاره حتى يتجسد ليلا في عنزة سوداء لها قرنان كبيران. وكلما زاد عدد الأضاحي بارك الشيطان الساحرات بقوى سحرية أكثر.

وتتمثل تلك القوى في القدرة على الطيران؛ فالشيطان يُسخر لهن حيوانات ممسوخة تحملهن من الأماكن الحضرية لتلك المناطق المعزولة، وأحيانًا تركب الساحرات الجن والعفاريت أو حتى مكانسهن القشية.

ووفقا للأسطورة، فإن الساحرات يسحقن الصليب ويعمدن أنفسهن باسم الشيطان وبدماء الأضاحي التي كانت تُذبح أمامه وتقدم له، كما يمارسن أشكالا عدة من السحر الأسود في الليل، بعد غياب الضوء وحتى مطلع الفجر.

أما الأضاحي نفسها فكانت أطفالا صغارا من عمر يوم واحد وحتى عامين، والأقصى ثلاثة، يذبحون كأضحية للشيطان، عند ذلك يتقبل الشيطان الأضحية، وتستمر الطقوس بتلاوة التعاويذ واحتساء الخمر، ثم يكون التعميد بدم الأطفال.

 

الإنسانية المُظلمة
ككل لوحاته في سلسلة "اللوحات السوداء"، فإن "سبت الساحرات" يثير مشاعر كابوسية ومتشائمة إزاء الوجود الإنساني بأسره، ورغم أن السلسلة بالكامل تغرق في العتمة، فإن المشاهد كلها عبارة عن ملامح بشر مشوّهين ومعذبين.

وفي "سبت الساحرات" نجد الشيطان يتوسط ذاك الجمع من الساحرات ذوات الوجوه المشوّهة الأشبه بقطع العجين، كما نرى أن هناك عددا من الأطفال الصغار في اللوحة، وهم على وشك أن يُضحى بهم للشيطان.

فنرى على أقصى اليمين ساحرة تعطي الشيطان طفلا صغيرا، وإلى جوارها تجلس ساحرة أخرى تمسك طفلا آخر بين ذراعيها، وستتم التضحية به هو الآخر، كما نجد على أقصى اليمين عصا طويلة وتتعلق فيها ثلاثة أجنة صغيرة الحجم، وفوق حلقة السحر تلك نجد خفافيش طائرة بين قرني الشيطان والقمر.

ويرى الناقد الفني آرثر لابو أن اللوحة كبقية السلسلة، تعكس خوف جويا الهيستيري من المصير المشؤوم الذي ينتظر الإنسانية جراء الجشع والرغبة في امتلاك القوة. حيث كان هناك تغيير اجتماعي وسياسي كبير في إسبانيا في تلك الفترة، وكانت إسبانيا خائفة ومهددة من غزو نابليون بونابرت.

واللوحة في النهاية ما هي إلا مجاز عن معركة الوجود الوحيدة والحقيقية بين الخير والشر. بيد أن ما قدمه جويا في سلسلة اللوحات السوداء يعكس أن من سينتصر غالبا هو الجنون والدراما واللامعنى. هذا إذا لم ينتصر الشر مثلما نرى في "سبت الساحرات"، حيث تتم التضحية بالأطفال والأجنة بمنتهى النشوة من الساحرات للشيطان.

وترى الناقدة الفنية مارغريتا غونزاليس أن المتفرج لا يستطيع أبدًا أن يفلت من الأثر المؤلم لتلك اللوحة، كما ترى أن جويا ربما لم يقصد في الواقع أن تُؤخذ اللوحة حرفيًّا على أنها حلقة سحر في حضور الشيطان، بل ربما أرادها أن تكون انتقادًا للجانب القبيح والمظلم للإنسانية في فترة الحروب النابليونية.

لذلك، رسم جويا سلسلة أخرى باسم "كوارث الحرب"، قدم فيها أجساد البشر مقطعة وممزقة. بعض اللوحات في تلك السلسلة تعرض مشاهد تعذيب وحشي تعرض له سكان البلاد التي غزاها نابليون.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كان فان غوخ يصبو إلى فن قريب من المتذوق البسيط، وكان يريد للوحاته تأثيرا قويا ومباشرا، واستوعب دروس الانطباعية ومزجها بتنقيطية جورج سورا، مع استخدام ضربات اللون الخالص الكثيف.

المزيد من فن
الأكثر قراءة