في فيلم "إن شئت كما في السماء".. العالم كله محتل وليست فلسطين وحدها

يحاول سليمان في "إن شئت كما في السماء" أن يكمل حكاية بدأها في "سجل اختفاء" عام 1996 (مواقع التواصل)
يحاول سليمان في "إن شئت كما في السماء" أن يكمل حكاية بدأها في "سجل اختفاء" عام 1996 (مواقع التواصل)

حسام فهمي 

يستمر "إن شئت كما في السماء It Must be heaven" للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان في الطوفان حول العالم، وذلك عقب اختياره لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار لعام 2020 فئة "أفضل فيلم أجنبي". 

فبعد عرض خاص ضمن مهرجان أجيال بالعاصمة القطرية الدوحة، عرض الفيلم وفي غضون أيام قليلة ضمن مهرجانين سينمائيين آخرين، أولهما مهرجان "حول العالم في 14 فيلماً" بالعاصمة الألمانية برلين، وثانيهما "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" الذي عُرض الفيلم ضمن فعالياته في قاعة المسرح الكبير بدار الأوبرا التي امتلأت عن آخرها بالجمهور. 

في "إن شئت كما في السماء" يحاول سليمان أن يكمل الحكاية التي بدأها في فيلمه الطويل الأول "سجل اختفاء" من إنتاج عام 1996، ثم استمرت عقب ذلك في فيلميه التاليين "يد إلهية، الزمن الباقي".

هي حكايته الشخصية بالأساس، أسرته وأهله، الفلسطينيين العاديين المحاصرين في حياة تدفعهم شيئاً فشيئا لليأس أو الجنون، ولكنها لا تخلو من مقاومة، تظهر بالأساس في قدرتهم المستمرة على السخرية من كل ما يعانونه. الحكاية تكتمل إذن، ولكن سليمان ينقلها من داخل فلسطين إلى العالم كله.

العالم كله فلسطين
الفيلم الفائز بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما بمهرجان كان السينمائي -بالإضافة لجائزة خاصة من لجنة تحكيم المهرجان- يمثل الخروج الأول لعالم سليمان السينمائي من أرض فلسطين المحتلة إلى خارجها.

هنا يبدأ الرجل بمشاهد معتادة داخل عالم السينما، حيث يلتقى جيرانه في سياقات كوميدية، كما يتعثر في آلة القمع الإسرائيلية حتى وهو يمارس طقوس حياته اليومية الهادئة.

في هذا الفيلم تظهر شرطة الكيان الصهيوني في مشهد وحيد، حيث نرى جنديين يقودان سيارة الشرطة، يتبادلان النظارات الشمسية، في حين يتحفظان في الكرسي الخلفي على فتاة شقراء مغطاة العينين.

يبدو أن سليمان يقصد بها المناضلة الفلسطينية "عهد التميمي" التي تلتفت عهد لسليمان حتى وهي مغماة العينين، في وقت يذكرنا بمشهد متكرر في أفلام المخرج عن الفلسطينيين الذين يعرفون أرضهم حتى دون أن يبصروها.

ينتقل عقب ذلك سليمان في رحلة حول باريس ونيويورك، يبعد عن فلسطين ليجد أن العالم كله فلسطين، العالم كله يعاني نفس المعاناة التي يعانيها أهلها منذ سبعين عاماً، العالم كله محتل من حكومات وأجهزة أمنية تعمل في خدمة شركات تملك المليارات ولا تلقي بالاً بالبشر المطحونين، السلاح في كل مكان بأميركا، والفقراء في كل أزقة باريس.

ورغم ذلك يقرر سليمان أن يظهر الأجهزة الأمنية في البلدين بشكل كوميدي. هنا يعيد تذكيرنا بأنه غير مهتم تمام بإظهار العنف على الشاشة، على العكس تماما، هو يستمتع بالسخرية ممن يملكون القوة في الحقيقة، فيظهرهم في أفلامه إما بشكل ساذج أو غاية في اللطف لدرجة لا يمكن تصديقها.

أنا فلسطيني
في الجزء الأخير من الفيلم، وفي مشهد يكون فيه سليمان داخل سيارة تاكسي بمدينة نيويورك، يسأله السائق عن بلده، فيجيب "الناصرة" ثم يقول "أنا فلسطيني". هنا يتحدث سليمان للمرة الأولى في أفلامه الأربعة، يخرج للحظات من الشخصية الصامتة تماما التي ابتكرها لتظهر في أفلامه كمراقب للأحداث، كعين صامتة تمثل صمتها رفضا ويأسا ومقاومة. لكن لماذا التحدث إذن؟

سألته الجزيرة نت هذا السؤال بشكل شخصي أثناء وجوده في برلين عقب عرض الفيلم، فأجاب "لم أخطط لهذا الأمر، لكنه جاء بعد مجموعة تراكمات، انفجرت في النهاية كالديناميت، هذا ليس حوارا في حقيقة الأمر، هو فك شفرة (decoding) قلت فقط من أين أنا ولمن أنتمي، الناصرة، أنا فلسطيني، هو اختيار أخلاقي، قبل أن يكون قومي، يرفض ربطي بإسرائيل، يرفض ربطي بالاحتلال وبدولة فاشية".

بطعم الشعر
"نلتقي بعد قليل، بعد عامٍ، بعد عامين وجيلْ، ورَمَتْ في آلة التصوير، عشرين حديقهْ وعصافيرَ الجليل، ومضتْ تبحث، خلف البحر، عن معنى جديد للحقيقة" بهذه الكلمات التي كتبها الشاعر الفلسطيني محمود درويش والتي تتشابه تماما مع فيلم سليمان الجديد، والمعنون "إن شئت كما في السماء" يمكننا أن نرى الفيلم كرحلة جديدة في عالم سليمان السينمائي للبحث عن معنى جديد للحقيقة.

حقيقة عاينها سليمان من قبل في أفلامه الثلاثة الطويلة السابقة، والتي دارت كلها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تلك الأراضي التي يقرر المخرج في فيلمه الجديد مغادرتها، ولو بشكل مؤقت.

الرابط المشترك بين درويش وسليمان هنا ليس فقط أصولهما المشتركة كأبناء مدن فلسطينية محتلة، طمست إسرائيل معالمها، مدن يعتبر العالم سكانها اليوم إسرائيليين، وهي مدن الجليل في حالة درويش والناصرة في حالة سليمان. 

ولكن الرابط الأهم هنا أن سليمان ينشد في حقيقة الأمر أن يصل في صنعته السينمائية لحالة شعرية تذكرنا كثيرا بقصائد درويش، حيث تصبح الصورة في حالة سليمان بديلاً عن الكلمة.

كما تلعب الموسيقى دوراً هاماً أيضا، فالموسيقى في عالم سليمان السينمائي وسيط حامل للذكريات، وبالتحديد ذكريات أبيه وأمه، لهذا يظل صوت نجاة مصاحبا لنا منذ فيلمه الأول، من خلال أغنية "يا مسافر وحدك" وحتى فيلمه الأخير، من خلال أغنية "بحلم معاك".

في الفيلم يستمر سليمان على نفس نهجه السينمائي الذي يقوم بالأساس على صنع مجموعة من المشاهد التي تبدو منفصلة، ولكنها في النهاية تبدو كرتوش ترسم لوحة واحدة مكتملة، تعتمد هذه المشاهد بالأساس على وضع المشاهد أمام مواقف كوميدية، ينبع فيها الضحك بالأساس من حدوث شيء غير متوقع، يعشق سليمان كما اعتدناه أن يبدأ المشهد بأمر طبيعي للغاية، ثم ما يلبث أن ينقلب كل شيء رأسا على عقب.

لكن الجديد هنا أن الرجل يقرر أن يصنع مشاهد تبدو أقرب للتأمل عن كونها في سياق متصل مع حبكة الفيلم، والتي تدور بالأساس حول تنقله من فلسطين إلى فرنسا وأميركا من أجل البحث عن فرصة لصنع فيلم جديد.

نشاهد -في لحظات تبدو خارج سياق الفيلم والأحداث- سيدة عربية تحمل قدراً مملوءاً بالماء، تسير على مهل في أرض يتوسطها مجموعة من الأشجار، دون أن ندري من هي وإلى أين تذهب. ليتحرر سليمان من قيود الحكاية من خلال مشاهد كتلك، وليترك حرية الاختيار لجمهوره أيضا في تفسيرها أو عدم تفسيرها.

يصنع التواصل مع مشاهديه، مع الإنسان في كل زمان ومكان، وهكذا تحيا قضية فلسطين التي يهدي لها سليمان هذا الفيلم في سياقات أكثر اتساعا، وتلمس معاناة أهلها قلوب كل هؤلاء، من خلال لحظات يرسم فيها المخرج ابتسامة على وجوههم، كما يزرع بذرة فكرة جديدة داخل عقولهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة