هل يستحق فيلم "الإيرلندي" كل هذا الانتظار؟

فيلم "الإيرلندي" هو من مشاريع سكورسيزي التي تعطلت عدة سنوات نتيجة البحث عن تمويل (مواقع التواصل)
فيلم "الإيرلندي" هو من مشاريع سكورسيزي التي تعطلت عدة سنوات نتيجة البحث عن تمويل (مواقع التواصل)

آدم منير 

بعد ابتعاد استمر 13 عاما عن أفلام العصابات منذ فيلمه "الراحلون" (The Departed)، يعود المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي إلى ملعبه المفضل مع فيلم "الإيرلندي" (The Irishman) من تأليف ستيفن زاليان الذي عمل معه من قبل في فيلم "عصابات نيويورك" (Gangs of New York)؛ وهو مأخوذ من كتاب "سمعت أنكم تطلون المنازل" (I Heard You Paint Houses) لتشارلز برانت.

الفيلم هو من مشاريع سكورسيزي التي تعطلت عدة سنوات نتيجة البحث عن تمويل، وأخيرا خرج للنور بعد أن تصدت نتفليكس لإنتاجه، وهو يحتوي على الكثير من الجينات المميزة لأفلام سكورسيزي.

رجل عصابات منقسم
كعادته في الكثير من الأفلام، يفضل سكورسيزي تناول شخصيات حقيقية، مثلما فعل في "أصدقاء طيبون" (Goodfellas) و"ذئب وول ستريت" (The Wolf of Wall Street).

وفي "الإيرلندي" يقدم سكورسيزي شخصية فرانك شيران الإيرلندي (ويؤدي دوره روبرت دي نيرو)، الرجل الذي عَمِل في اتحاد العمال الأميركي، بالإضافة لدوره البارز داخل عالم الجريمة المنظمة، بقيادة راسل بافالينو (جو بيشي). 

الإيرلندي كان مقربا من العمالي البارز في التاريخ الأميركي جيمي هوفا (آل باتشينو)، ويكشف من خلال الأحداث عن تطور علاقتهما وصولا إلى النهاية. 

يعتمد الفيلم على سرد غير خطي، إذ نبدأ بمشهد "فلاش فوروارد" (ومضة مستقبلية)، يقدم لنا شيران وهو في نهاية العمر، ويبدأ حكاية مذكراته التي نشاهدها من خلال خطين زمنيين: الأول مع البداية المبكرة لشيران وهو لا يزال شابا يخطو خطواته الأولى في عالم الجريمة، والثاني وهو كهل بعد أن ثبّت نفسه في عالم المافيا بعد عدة سنوات من العمل معهم.

يصنع هذا الانتقال بين الخطوط إيقاعا جذابا للفيلم، إذ يحاول المشاهد في كل مرة التعرف إلى التطور الذي جعل الشخصيات تتحول من الحالة الأولى إلى الثانية.

نقطة قوة أخرى قدمها السيناريو، وربما هي من أكثر ما يميز شخصيات هذا الفيلم، وهي أننا -على غير العادة- نشاهد في الفيلم تقلبات كثيرة في ما يخص علاقة الشخصيات ببعضها، فليس هناك تحالفات أو صداقات مستمرة مثلما هي العادة في أفلام العصابات التي تكون فيها خريطة العلاقات واضحة في الغالب، حتى مع ظهور بعض الخيانات فإنها تحدث بشكل مفاجئ، بينما في "الإيرلندي" نشاهد طوال الوقت تحولات تتيح لسكورسيزي أن يبرز جانبا أعمق لدى كل شخصية من شخصياته الثلاث الرئيسية. 

وهذه سمة أخرى من السمات المفضلة لسكورسيزي في شخصياته، إذ لا نشاهد أبطالا مثاليين أو مستقرين نفسيا، ودائما هناك اضطرابات داخل أبطال سكورسيزي، ربما بلغت أوجها في "الراحلون" الذي كانت الشخصيات فيه تتصرف عكس ما تريد تماما، وتحيا بوجهين متناقضين.

نظرة على أميركا الستينيات
لا يتوقف مخرج "سائق التاكسي" (Taxi Driver) فقط عند الشخصيات الثرية، بل يبحث أيضا عن تلك التي تعتبر مرآة لعصرها، فهو دائما يهتم بالتأريخ لأميركا من خلال شخصياته، سواء الخيالية مثلما فعل في "سائق التاكسي" و"ملك الكوميديا" (The King of Comedy)، أو المبنية على شخصيات حقيقية مثلما في فيلم "ذئب وول ستريت".

في فيلمه الأحدث يعيد سكورسيزي النظر في مرحلة الستينيات وكيف كان للرئاسة آنذاك تأثير بل تورط مع عصابات المافيا، هكذا نستمع إلى اسمي الرئيسين الأميركيين جون كينيدي وريتشارد نيكسون عدة مرات خلال الفيلم، ونشاهد كيف تدخل كلاهما في تغيير عدة أمور خاصة في ما يخص صعود وهبوط أسماء بعينها وقربها أو ابتعادها عن السلطة.

ورغم الفترة الزمنية الطويلة نسبيا التي يقدمها الفيلم -إذ تدور أحداثه الرئيسية بين الخمسينيات وبداية السبعينيات- فإنه ينجح في تقديم نظرة موسعة على تغير السياسة الأميركية.

سكورسيزي يعود إلى ملعبه
وبعد فيلم "الراحلون" الذي حصل عنه بعد طول تجاهل على جائزة الأوسكار لأفضل مخرج، قدم سكورسيزي أربعة أفلام مختلفة، نالت نصيبا متفاوتا من الاحتفاء، لكن يمكن ملاحظة أنه جرب خلالها مساحات مختلفة لم يتطرق إليها من قبل.

ففي "هوجو" (Hugo) يتابع طفلا يتيما يختبئ في محطة القطار في باريس، ليخرج من أميركا ويقدم للمرة الأولى طفلا كبطل رئيسي لأحد أفلامه، في مغامرة بصرية اهتم فيها بتجربة تقنية الأبعاد الثلاثية التي كانت تزدهر في ذلك الوقت.

بينما كان آخر أفلامه قبل "الإيرلندي" هو "الصمت" (Silence) الذي يمر فيه البطل بتجربة إيمانية شديدة الصعوبة، ومرة أخرى يخرج من أميركا ليعود بالزمن للقرن السابع عشر في اليابان حيث اضطهاد المسيحيين والمبشرين، في تجربة أجواؤها العامة ربما لا تشبه أيا من أفلام سكورسيزي، لكن بطلها المنقسم من داخله بالتأكيد يشبه سكورسيزي.

في "الإيرلندي" يعود المخرج الأميركي إلى ملعبه المفضل مع أفلام العصابات، لكن كعادته في هذا النوع، لا يكرر نفسه بل يقدم الكثير من الجديد، سواء على مستوى السرد كما ذكرنا، أو على مستوى رسم الشخصيات.

في الفيلم يعيد جو بيشي مرة أخرى أمام الكاميرا بعد توقف عدة سنوات، ليقدم واحدا من أفضل أدواره وربما يحصل عنه على جائزة أوسكار ثانية. ويبدو أن بيشي يزداد تألقا في كل مرة يقف فيها أمام كاميرا سكورسيزي، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على كل من روبرت دي نيرو وآل باتشينو اللذين يقدمان أفضل أداء لهما منذ سنوات طويلة.

فيلم "الإيرلندي" يستحق الانتظار لسنوات طويلة حتى يخرج بالصورة التي أرادها مخرجه، وبالتأكيد سيكون له نصيب كبير في موسم الجوائز.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

طرحت شبكة نتفليكس الأربعاء الإعلان التشويقي الأول لفيلمها المنتظر "الإيرلندي" المقرر عرضه يوم 27 سبتمبر/أيلول المقبل في افتتاح فعاليات مهرجان نيويورك السينمائي في دورته السابعة والخمسين.

المزيد من فن
الأكثر قراءة