لقاء خاص مع وعد الخطيب.. المخرجة السورية المتألقة عالميا

المخرجة وعد الخطيب أثناء حضورها النسخة 72 من مهرجان كان الدولي في باريس (غيتي إيمجيز)
المخرجة وعد الخطيب أثناء حضورها النسخة 72 من مهرجان كان الدولي في باريس (غيتي إيمجيز)

هشام حصحاص-باريس

أكدت المخرجة السورية وعد الخطيب التي نال فيلمها "إلى سما" (For Sama) العديد من الجوائز العالمية المرموقة، منها جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان كان السينمائي في دورته الأخيرة، أن الفيلم ليس مجرد سرد لجانب من المأساة الإنسانية في سوريا، بل هو أيضا مادة لتوثيق جرائم الحرب التي ارتكبها نظام بشار الأسد في حلب، في انتظار يوم تتحقق فيه العدالة الدولية ويحاكم فيه كل من سفك دماء السوريين، بحسب قولها.

وأوضحت وعد الخطيب في حوار خاص مع الجزيرة نت أنها تمتلك مواد مصورة لم تدرجها في الفيلم لقساوتها وبشاعتها، صورتها على مدى خمس سنوات، وترغب في تسليمها لمحكمة دولية أو منظمات حقوقية بهدف إدانة النظام السوري ومحاكمته على جرائمه.

ولفتت المخرجة السورية إلى أن الفيلم "نجح في نسف أكاذيب النظام السوري أمام المشاهد الغربي الذي لا يعرف جيدا ما يقع في سوريا"، معتبرة أنه تصدى للدعاية التي يمارسها النظام السوري ويزعم فيها أنه يقاتل الإرهابيين ويحاربهم.

وأوضحت وعد أنها لا تزال تؤمن بالثورة السورية التي تسكنها في كل حين رغم ألم الغربة، وأنها تحلم في العودة إلى سوريا فور سقوط نظام الأسد، وبسوريا جديدة حرة تتسع لكل السوريين.

وتاليا حوار الجزيرة نت مع المخرجة السورية.

نجحت من خلال فيلم "إلى سما" في إيصال جزء مهم من حقيقة ما وقع في مدينة حلب، ولكن هل تعتبرين أن الفيلم بات وثيقة حية شاهدة على جرائم النظام السوري؟

أعتقد أن الفيلم سيبقى وثيقة مهمة جدا في تاريخ الثورة السورية، لأنه يتحدث بشكل واضح عن جرائم نظام بشار الأسد، ويسلط الضوء عن معاناة ومأساة المواطنين والمدنيين العزل الذين نكل بهم النظام السوري.

الفيلم يبرز كيف يتم قتل وقصف المدنيين بدم بارد، ويكذب ادعاءات نظام الأسد وروسيا بشأن استهدافهما وقتلهما لما يصفانه بالإرهابيين، في المناطق الخارجة عن سيطرتهما.

أطمح لتسليم كل المواد المصورة والأفلام والتقارير التي بحوزتي وتوثق للجرائم التي ارتكبت في سوريا لمحكمة دولية أو منظمة دولية، تسعى لجر نظام الأسد وحلفائه إلى المحاكمة والمساءلة.

كيف تقرئين نجاح الفيلم في أوروبا وأميركا؟
الفيلم حظي بنجاح باهر حول العالم، وهذه كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لنا، كنا نعتقد أن الناس ملوا من الحرب في سوريا ومن مشاهد الدماء والقتل، ولكن الفيلم أثبت عكس ذلك، فقد كان هناك تعاطف كبير من المشاهد الغربي مع الثورة السورية من خلال الفيلم الذي يسرد الحياة اليومية لمواطنين عاديين يملكون مشاعر وأحلاما وينشدون الحرية والعيش الكريم فقط. 

الفيلم لقي نجاحا لأنه أعطى للمشاهد صورة مقربة وإنسانية لآلاف المدنيين الذين أبيدوا على يد نظام الأسد، كما أنه تصدى للدعاية التي مارسها النظام السوري ليحاول التغطية على جرائمه من خلال التركيز على تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) وجرائمه. 

كيف ولدت فكرة فيلم "إلى سما"؟
فكرة الفيلم ولدت بعد عملية التهجير التي تعرضنا لها في حلب من النظام السوري، وخروجنا إلى تركيا في بداية عام 2017. كنت أصور الأحداث اليومية في حلب بشكل عام إضافة إلى مشاهد شخصية وعائلية مع ابنتي سما وحياتي الخاصة، ولم تكن لدي أية فكرة مسبقة أو مشروع تحويلها إلى فيلم.

كانت لدي تجربة صغيرة في إنتاج تقارير إخبارية مصورة بعدما عملت صحفية مع قناة بريطانية، لكن فكرة الفيلم رأت النور بعد خروجي من حلب وحصولي على دعم مادي وتقني من طرف القناة الرابعة البريطانية، التي وفرت لي فريق عمل مهنيا متكاملا من أجل تحويل المواد المصورة التي صورتها على مدى خمس سنوات إلى فيلم، من خلال المزج بين مشاهد شخصية وعائلية وصور الأحداث اليومية لمشاهد قتل وقصف المدنيين في حلب.

ما أبرز العراقيل التي واجهتك؟
من أبرز الصعوبات التي واجهتني هي دخول ميدان التصوير وتوثيق الأحداث في حلب، من دون أي تكوين أو تدريب على الكاميرا بطريقة احترافية، وبالتالي بعض المواد المصورة كانت تنقصها الاحترافية، إضافة إلى بعض المشاكل التقنية مثل نقص الكهرباء.

واجهتني بعض المصاعب النفسية أيضا، خصوصا بعد ولادة ابنتي سما، بحيث كنت أغامر بحياتي أثناء التصوير، وكانت المدينة تتعرض للقصف والتدمير، وكان كل يوم ننجو فيه من الموت بمثابة ولادة جديدة لنا.

كانت هناك تحديات أخرى أثناء التصوير، كوني فتاة في مجتمع محافظ لا يقبل بوجود النساء في مثل هذه الأماكن الخطرة، إضافة إلى المخاطر التي واجهتني أثناء عملية إخراج المواد المصورة إلى خارج سوريا، والخوف من أن يصادرها النظام السوري ويعتقلني أثناء مرورنا من الحواجز الأمنية.

هل هناك مشاهد لم تتمكني من إدراجها في الفيلم؟
نعم، هناك مشاهد كثيرة لم نستطع إدراجها في الفيلم لقساوتها على المشاهد، رغم أن الفيلم يحوي ما يكفي من مشاهد الدماء والموت. يمثل الفيلم فقط نحو 10% من مجموع الصور والمواد التي صورتها، كما أن مجموع الصور التي بحوزتي تبقى جزءا يسيرا من مجموع صور القتل والدمار الذي تعرضت له حلب على مدى سنوات من طرف نظام الأسد المجرم.

ما الدول التي عرض فيها الفيلم حتى الآن؟
فيلم "إلى سما" تم عرضه في عدة دول حول العالم، بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وكندا والمكسيك واليابان والولايات المتحدة الأميركية، كما تم عرضه في عدة مهرجانات دولية عالمية، ولقي تجاوبا وتعاطفا كبيرين من طرف المشاهدين من كل هذه الدول.

هل تعتقدين أن هذه المهرجانات ساهمت بتسليط الضوء عن الثورة السورية بشكل صحيح؟
نعم، المهرجانات الدولية ساهمت بشكل كبير في إبراز مأساة الشعب السوري، وفي تسليط الضوء على جرائم النظام السوري وحلفائه.

نظام بشار الأسد يتوهم النصر لأنه انتصر على شعب أعزل بقوة الحديد والنار، ولكنه لم ولن ينتصر على الحقيقة باعتباره مجرم حرب سفك دماء السوريين، والدليل على ذلك أن كل الأفلام السورية المشاركة في المهرجانات الدولية تنتصر للحق وللثورة السورية وليس للنظام السوري.

الفيلم لاقى رواجا واسعا حول العالم، ونحن جد فخورين بذلك لأنه يعري نظام الأسد ويبرز مأساة الشعب السوري، نحن لا نسعى ولا نركز على الحصول على الجوائز، ولكن نفتخر بالحصول عليها، لأنها تساهم في إيصال صوت السوريين إلى العالم والتعريف بقضيتنا العادلة.

كيف تعيشين حياتك الجديدة في الغربة؟ وهل تفكرين بالعودة يوما ما إلى حلب؟
أعيش في الغربة مثل باقي السوريين في المهجر، أحاول التأقلم قدر الإمكان مع حياتنا الجديدة، ولكن لا يمكنني أن أفصل نفسي عما يحدث يوميا في سوريا.

أعيش في الغربة ولكن وجداني وكل مشاعري وأحاسيسي مرتبطة بالثورة السورية وبالداخل السوري، أحلم كل يوم أن أعود لحلب وإلى سوريا للاستقرار فيها، ولكن هذا لن يحصل دون سقوط نظام بشار الأسد.

أما زلت تؤمنين بالثورة السورية وبرحيل نظام الأسد يوما ما؟
طبعا ما زلت أؤمن بالثورة السورية، وما زلت أؤمن بأن العدالة ستتحقق يوما ما من خلال محاكمة النظام السوري وحلفائه الذين قتلوا السوريين ودمروا سوريا.

أعمل حاليا على جمع أكبر قدر من الأدلة بشأن جرائم الحرب التي ارتكبت في سوريا، خصوصا ما يتعلق بقصف المستشفيات وقتل الكوادر الطبية، في انتظار سقوط نظام الأسد ورحيله.

كيف ترين مستقبل سوريا؟
للأسف، حاليا لا أرى مستقبلا لسوريا في ظل بقاء نظام الأسد، أحلم برحيل وتفكيك النظام السوري وهدم كل منظومته وإعادة بناء سوريا جديدة من خلال مؤسسات جديدة تسع كل السوريين، مبنية على مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.  

المصدر : الجزيرة