بالصمت والسخرية.. المخرج الفلسطيني إيليا سليمان يقاوم سينمائيا

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان يتخذ الصمت والكوميديا السوداء جسرا يعبر من خلاله إلى قضيته (الجزيرة نت)
المخرج الفلسطيني إيليا سليمان يتخذ الصمت والكوميديا السوداء جسرا يعبر من خلاله إلى قضيته (الجزيرة نت)

محمد الشياظمي-الدوحة

الصورة هي أصل الفكرة، والمشاهد الصامتة هي نواة السينما الناطقة اليوم، لكن المخرج الفلسطيني إيليا سليمان أبى إلا أن يعيدها إلى سيرتها الأولى ودهشة البداية، وذلك من خلال عمله "إن شئت كما في السماء"، متخذا من لغة الصمت والكوميديا السوداء جسرا يعبر من خلاله إلى قضيته، قاصدا وعي المتلقي وعقله ووجدانه.

بمشاركته في مهرجان أجيال السينمائي بالدوحة، يعيد سليمان سرد حكايته عن وطنه فلسطين، وهو الذي يحمله معه إلى سائر محطاته الفنية والمهرجانات السينمائية الدولية. ومن خلال هذا العمل الصامت والساخر يسرد سيرة معاناة شخصية استبدت بها أسئلة الوطن والهوية والانتماء.

لقد أراد أن يعيد إلى الأذهان فن الكوميديا الصامتة الذي أصبح عملة نادرة في سينما اليوم، لعلها تجد أجوبة لما يبحث عنه، وتنصفه مما تعرض له في كل أرض يرى فيها بداية لحياة جديدة.

بنظرات تخترق حدود المكان، ولغة جسدية تختزل الكثير؛ جسد صانع الأفلام الفلسطيني إيليا سليمان روح فلسطين من خلال عمله السريالي الكوميدي، وهو الذي تخطى حدود موطنه، قاصدا باريس ونيويورك، مصطحبا معه حس الملاحظة الثاقبة إلى حدود العالم الأوسع، الذي لا يقل توترا وغرابة وذعرا، محاولا سرد مأساة الشعب الفلسطيني التي لا يراها في فقده أرضه فقط، بل أيضا في هويته التي توزعت في أصقاع الأرض.

فالمخرج الذي ترك مسقط رأسه في الناصرة في الثمانينيات، أعاد النبش في سيرته الذاتية وفي زوايا الذاكرة، معتمدا خطا دراميا يسرد قصته نحو أولى محطات هروبه إلى باريس ثم نيويورك.

اختيار المخرج الفلسطيني العودة إلى السينما الصامتة لم يكن عبثيا أو نشازا (الجزيرة )

لغة السينما
يدرك سليمان جيدا أن السينما لغة يفهمها الغرب بقوة، وفي هذا الفيلم يبحر سليمان في كم هائل من المعاني الإنسانية المشتركة، مستحدثا فضاء شاعريا بينه وبين هذا الجمهور، وقد وظف جميع مكونات السخرية والكوميديا السوداء بذكاء، وجعلها حزام أمان يعبر به إلى الضفة الأخرى بانسيابية ملفتة ودون تكلف، وهو الذي يرى أن الفكاهة يمكنها أن تخلق مساحة بيننا وبين كل من يقمع، كما أن المقاومة من خلال الصورة والسينما يمكن توظيفها كسلاح في معركة الحرية.

خلال مسيره نحو هذا الوطن الذي تخيله سليمان برومانسية، لم يتوقع أن يصطدم بواقع رافض يرى فيه نفسه غريبا، ومن خلال قوالب كوميدية ساخرة، استطاع أن يجسد شخصية تتنازعها ذاتية الانتماء إلى بلده فلسطين ودهشة المكان.

وفي كل خطوة يخطوها بحثا عن الأمان يذكرنا بأصل المعاناة، ساردا قصة هزلية وملحمة كوميدية تغوص في مفاهيم الهوية والوطنية والانتماء، وفي كل مشهد يطرح المخرج سؤالا جوهريا عن المكان الذي يمكننا حقا أن نسميه وطنا.

اختيار المخرج الفلسطيني العودة إلى السينما الصامتة لم يكن عبثيا أو نشازا، فقد تمثل أسلوبا أشبه ما يكون بأسلوب الممثل والمخرج الأميركي باستر كيتون، في محاولة لتنبيه العالم إلى قضية شعب محتل، اختار المشاهد الصامتة ربما لأنه فقد الثقة في أي حوار، وإن لم يقل هذا صراحة، فإنه في هذا الفيلم نراه قد وقف على حافة الأشياء؛ سخر من العولمة وانجذب إلى التجربة، وشخّص بصدق ولم يفتعل، واجه الهشاشة والعزلة بصرف النظر عن الأماكن التي مر منها، وكل ذلك في رمزية تحيل إلى تيه الإنسان على هذه الأرض، وما يختلجه من حيرة وتردد.

ستة أيام من العروض السينمائية في مهرجان أجيال (الجزيرة-أرشيف)

اختزال المعاني
يبلغ سليمان من خلال عمله ذروة فن التكثيف، ليذكرنا بقدرته النادرة على اختزال معاني كثيرة فقط بتعابير الوجه وإيماءات ساخرة يكون لها مفعول السحر أحيانا، وفي كل مدينة جديدة يحل بها، يجد نفسه يحدق بدهشة وفضول تجاه حياة الناس فيها، وفي كل مرة يأبى الوطن إلا أن يتصدر ذكرياته، يذكره بمراتع الصبا، وشقاوة الطفولة، وقد صوّر كل هذا في سرد بصري ماتع، يشعر معه المتلقي بأنه في جميع تلك الأمكنة، وما تعكسه من حمولات وثقافات، وتفاهات أيضا.

أربع كلمات فقط هي كل ما يقوله سليمان في فيلمه، عيناه ترى أن العالم متشابه في زواياه، والمخرج إيليا سليمان -وهو الشخصية الوحيدة في هذا الفيلم- وحده من يقرأ نظرات الناس ومواقفهم بلقطات ذاتية جدا، فعيناه في الفيلم هما عينا المشاهد، نراه يتتبع الواقع بسخرية عبثية وتهكم، حيث تتبع تفاهة القوي وقلة حيلة الضعيف لا تحتاج إلى الكلمات، وذلك في تقطيع بصري يجسد عبثية الواقع الذي لا يملك المخرج إلا أن يسخر منه.

ظلت لغة الجسد والنظرات المتهكمة أحيانا هي صلة الوصل بين الأزمنة والأمكنة، وفيها ظل يراقب ولا يعلن عن مواقفه، وطيلة مسيرته بحثا عن وطن بديل ينتهي سليمان إلى حقيقة أن طموحه يتخطى الواقع، فلا وطن إلا ذاك الذي يسكن جوانبنا، وإن حيل بيننا وبينه.

إيليا سليمان في تصريح للجزيرة نت سعى إلى أن يختبر الجمهور الصمت كلغة منفصلة عن الصوت، ويتيح له الاعتماد على الصورة وتجنب الحوار

تجربة سينمائية
لقد سعى إيليا سليمان في تصريح للجزيرة نت إلى أن يختبر الجمهور الصمت كلغة منفصلة عن الصوت، يتيح له الاعتماد على الصورة وتجنب الحوار النمطي الذي يغلب على السرد القصصي في كثير من الأحيان، لقد أرادها تجربة سينمائية مختلفة.

كل فضاءات وزوايا التصوير اختارها سليمان بعناية ورمزية عاليتين، لا مكان للصدفة في اللقطات التي يعبر بها إلى الجمهور، كل المشاهد بما تحمله من حركية وانفعالات ترفع أسهم هذا العمل، وتحقق له المنافسة على جوائز عالمية.

فيلم "إن شئت كما في السماء" حظي بتنويه خاص من لجنة التحكيم وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد خلال فعاليات مهرجان كان السينمائي في مايو/أيار الماضي، وسيمثل فلسطين في سباق الأوسكار لأفضل فيلم دولي لعام 2020.

وأدرج كأول فيلم طويل يعرض في افتتاح مهرجان أجيال السينمائي، ويتوقع أن يحظى بإحدى جوائز المهرجان في دورته السابعة.

المصدر : الجزيرة