يحيي نحو مئتي حفل سنويا.. فلسطيني يبدع في عزف اليرغول

عاطف دغلس-جنين

ينتفخ فوه بالهواء ويحكم إمساك قصبته جيدا بكلتا يديه، ويضرب بأصابعه فوق فتحاتها، ليخرج معزوفة موسيقية جميلة لـ"ظريف الطول" أو "الكرادة" وغيرهما من ألوان الغناء التراثي الفلسطيني بحرفية قلما يبدعها عازف يرغول مثل هاشم السويطي.

والسويطي (48 عاما) ليس عازفا فحسب، بل هو عاشق لآلة اليرغول لحد الوله، ومن صغره انغمس باحثا في أسرار صنعها وطريقة العزف عليها، لتصبح رفيقة دربه ومصدر عمله ورزقه لأكثر من ثلاثين سنة.

في منزل عائلته بمدينة جنين (شمال الضفة الغربية) كانت بدايات السويطي، فوالده وجده عازفان، ومنهما ورث شقيقه الأكبر عاطف العزف وذاع صيته وفاق أقرانه، وخلسة كان السويطي ابن 13 عاما حينها يسترق بأذنه الموسيقية السمع لعزف اليرغول، وأحيانا يأخذ يرغول شقيقه ويعزف عليه خفية.

وكل ذلك أوجد أرضية خصبة لهاشم للإقدام وبقوة على تعلم اليرغول حتى وإن تكبد مشاق ذلك وحده، وهو ما جعله وفي اليوم التالي يسافر عدة كيلومترات لجلب القصب من وادي منطقة الفارعة بالأغوار الشمالية.

وسط ديوانه، يواصل السويطي عزفه ويطرب الحضور، ويسرد حكايته للجزيرة نت أيضا ويقول إن نجاحه في تصنيع يرغوله الأول كان بمثابة دفعة أمل له، ووصل ليله بنهاره ليتقن ذلك "خلال أقل من شهر".

وزاد في ذلك دعم شقيقه الأكبر عاطف الذي أعجب بعزفه وتصنيعه اليرغول أيضا، فزاد في تعليمه قواعد العزف وأساساته، ثم أوكل له إحياء حفلات زفاف برمتها، لتتوالى النجاحات على هاشم، ويطلبه فنانون كبار أمثال الشاعر الفلسطيني موسى حافظ.

يسعى هاشم السويطي للحفاظ على تقليد عاشته عائلته باحتضانها اليرغول سنوات طويلة (الجزيرة)

اليرغول وأدواته
واليرغول -المكون من خمسة أجزاء- عبارة عن قصبة أسطوانية الشكل تطول أو تقصر حسب حاجة العازف، وتعرف "بالنقالة أو "اللعَّابة"، وتثقب بفتحات في الأعلى وتستخدم كميزان للنغمات.

والقصبة ذاتها تتحول لآلات أخرى من أدوات النفخ الموسيقية، المعروفة شعبيا بالمجوِز والشبابة والناي بإحداث بعض التغييرات الطفيفة عليها.

ولا فرق في الشكل بين تلك الأدوات إلا بعدد الفتحات والمسافات بينها لعزف المقامات المطلوبة عليها، فقصبة اليرغول (النقالة) تثقب بست فتحات تسمى "العزبات" وتقرن بقصبة "الدوَّاية" وتوصل بها قصبة أخرى تسمى "بتة الدوَّاية" لضبط إيقاع الصوت، ويصبح اليرغول "مجوزا"عندما تثقب قصبة "الدوَّاية" بنفس عدد الفتحات.

وتتصل القصبات من أعلى بما يعرف "بالعرايس" التي تغطى بشمع عسل النحل كي لا يتسرب الهواء داخلها وتحافظ على توازن السلم الموسيقي، بينما توضع قصبتان صغيرتان تعرف بـ"البُنيَّات" بأعلى اليرغول وبهما ينفخ العازف.

إحساس عميق
ويعزف السويطي على الآلات الأربع، لكنه يبدع أكثر على اليرغول، ويتخذه وسيلة للعيش أيضا، فهو يصنعه خلال موسم الشتاء، ويعزف عليه في الأعراس صيفا، ويحيي نحو مئتي حفل سنويا.

ويقلب العازف الهواء الذي يدخله عبر أنفه وينفخه في الآلة الموسيقية، وتسمى (عملية القلب) بما يمكنه من العزف ساعات طويلة، ويقول السويطي إن العزف "إحساس عميق"، يكمن في ترجمة ما يغنِّيه المطرب لحنا وبسرعة الاستجابة له.

وهذا لم يعد صعبا على السويطي، فقد أضحى عارفا بألوان الغناء الشعبي، وينتقل من تقسيمة (لحن) لأخرى بمجرد سماعها للوهلة الأولى، رغم تنوع الأغنيات بين منطقة وأخرى.

ويعد العزف المستمر -حسب السويطي- تمرين صحي للرئتين عبر الشهيق والزفير وتنظيفهما من أي أمراض، ورغم ذلك يبقى التهاب اللوز والجيوب أخطر ما يهدده.

واليرغول -وفق ما يروي- آلة فلسطينية كنعانية، ولم يُغادر حلوق الفلسطينيين إلى غيرهم، على خلاف المجوز والشّبابة وآلات النفخ الأخرى، ويعد معين حسين وصالح الصالح من أبرز العازفين الفلسطينيين.

العزف المستمر على اليرغول تمرين صحي للرئتين وينظفهما من أي أمراض (الجزيرة)

ملتقى الجميع
لا يقتصر عزف السويطي على الأعراس، ففي ديوانه حيث استقبلنا يحل عليه الضيوف والزجالون والشعراء ويتبارون بقصائدهم، في حين تتلاعب أصابعه عزفا لأغانيهم.

ومما يعزفه على اليرغول أغاني "الهجيني" و"الغزيِّل" كقوله "يا غزيل يا أبو الهيبة والفرقة ما أصعبه" والعُميِّم "ع العميم ع العمام رفرف يا طير الحمام"، فضلا عن الدبكة الشعبية.

في هذا الديوان الذي شُيِّد على غرار بيت الشعر البدوي، يحاول السويطي إحياء تقليد لوالده وعائلته التي هُجِّرت من حيفا عام 1948، وهو لا يزال يحتفظ بعدة والده لتحضير القهوة العربية من دلَّات النحاس الأصلية والمهباش (مطحنة القهوة) وقطع تراث متنوعة تغزو جدران ديوانه.

وتلك الجلسات تخلدها ذاكرة المواطن تحسين ربحي القادم من قرية الجلمة (شمال مدينة جنين) والمعروفة بكثرة زجاليها، ويقول إنه اعتاد زيارة الديوان منذ صغره برفقة ذويه وأقاربه من كبار العمر الذين يأتون للاستمتاع بالملحمة الزجلية والعزف على اليرغول.

بكل قوته يسعى هاشم السويطي للحفاظ على تقليد عاشته عائلته باحتضانها لليرغول لسنوات طويلة، ولا يريد لتلك المعاناة التي عاشها في بداياته أن تتكرر لدى أبنائه، ولذلك فهو يعلمها لأبنائه حتى بات معظمهم يحترفونها. 

المصدر : الجزيرة